19 février 2012

حديث الهوية باللغة الأجنبية؟

حديث الهوية باللغة الأجنبية؟

في هذه المرحلة الفوضوية التي تمر بها البلاد أضحينا شبه مسخرين لتقبل أغرب الممارسات. بعد وجدي غنيم خاتن العقول جاء دور الجمعيات الأجنبية لتقرع الطبول. ها هي تنظم المناظرات الفكرية على أرض تونس الثورة والحرية، وبسواعد وعقول تونسية، وبموضوع تونسي.عدا اللغة، فهي الانقليزية. أيُعقل هذا؟

لو كان الأمر يتعلق بمناظرة عالمية تضم أطرافا تختلف في الثقافة وفي اللغة ويكون موضوعها مشتركا بين هاته الأصناف يصح القول إن استخدام اللغة الانقليزية، ولو كان مقر المناظرة تونس، له مبرراته. أما أن يكون الموضوع "هل يجوز تعاطي السياسة في المؤسسات التعليمية" وأن يكون مجتمع تونس هو المعني وشباب تونس هم المعنيون ومربو تونس هم المرشحون لتأطير الحوار في هذا الموضوع، فما دخل الانقليزية وما دخل الفرنسية أو الإسبانية أو غيرها من اللغات حتى تلتئم التظاهرة بواسطتها عوضا عن اللغة الأم، العربية؟


إن استعمال اللغة الأجنبية للحديث في موضوع ذي أبعاد وطنية بحتة خطير إلى أبعد الحدود. من جهة لأنّ المتحاورين كلهم من أبناء وبنات البلد، واللجوء إلى لغة غير العربية يدل على تفريقهم، وبالتالي تفريق المجتمع بأسره، بواسطة اللغة. إذ إن التعبير بالأجنبية بخصوص شأن تونسي بحت سيُرسخ إما الانبتات وإما الاغتراب لدى المشاركين. ذلك أنهم سيستبطنون بصفة غير مباشرة شعورا مفاده أن الحسم في المسألة المطروحة للنقاش لن يكون إلا أجنبيا تبعا لأن اللغة المختارة هي لغة الأجنبي. كما أنهم سيستبطنون مفهوما مفاده أنّ اللغة العربية ليست لغة معبرة عن الحلول بل أنها لغة المشكلات الباقية بلا حلول. ومن جهة أخرى لأنّ منظمي التظاهرة، وهُم من الأجانب الموجودين على أرض الوطن، لا يمكن أن يتم التعامل معهم إلا كمدعوين إلى نشاط أين يقع الترحاب بهم مثلما يقع الترحاب بالضيوف عند كل الثقافات . وبناءً على أنها تظاهرة تقام بين شباب متحد حول هويته ومتأصل في تربته الثقافية ومعبرا عن نفسه بلغته الأم، ما على الضيوف إلا أن يمتثلوا لعادات وثقافة البلد المضيّف بأن يتزودوا بما يلزم من اللغة العربية أو بأن يتجاوزوا العائق اللغوي بجلب مترجمين معهم للغرض.


 لكن للأسف، بالرغم من أنّ هذا الترتيب من مشمولات أصحاب المكان والموضوع، إلا أنه لم يحصل. بل الذي حصل إنما هو تفوّق إرادة المنظمين الأجانب للتظاهرة، الذين توصلوا إلى فرض لغتهم دون سواها كلغة للحوار وللنقاش ولإيجاد الحلول. علما وأنّ تمشيا معاقا مثل هذا لن ينجح لا في تأصيل ثقافة الحوار ولا في تحسين الأداء اللغوي، ناهيك في وضع الإصبع على موطن الداء ومنه توصيف العلاج اللازم.


لكل المعنيين بمثل هذه التظاهرات والضالعين فيها أقول: ها أنكم تجعلون المرء يشعر بالحد الفاصل بين أن يكون دارسا أو مدرسا للغة الأجنبية، و في نفس الوقت ممارسا للتعبير عن هويته كاملة وبكل حرية، لغوية كانت أم دينية بالأساس، وبين أن يكون أمام خيار واحد أوحد يتمثل في قبول المشاركة في التغريب الذاتي والانسلاخ الهوياتي بعنوان أنه يعتز بإتقانه اللغة الأجنبية التي يتعلمها أو يُعلمها.

arabic
محمد الحمّار
أستاذ اللغة والآداب الانقليزية

Posté par mohamed hammar à 00:12 - - Commentaires [0] - Rétroliens [0] - Permalien [#]


Commentaires sur حديث الهوية باللغة الأجنبية؟

Poster un commentaire







Rétroliens

URL pour faire un rétrolien vers ce message :
http://www.canalblog.com/cf/fe/tb/?bid=554096&pid=23556021

Liens vers des weblogs qui référencent ce message :