مَن السلفي، طارق رمضان أم منتقدوه؟
مَن السلفي، طارق رمضان أم منتقدوه؟
لم أكن من أنصار طارق رمضان ولا من مشاهديه لا في التلفزة ولا في الفيديوهات اليوتيوبية والفايسبوكية. ربما لأني ذو ميل تداولي ووظيفي في الفهم وفي التطبيق. فقبل 14 جانفي لم أكن أر طائلا من وراء الاستماع إلى خطاب دعوي متحرر بينما أنا أعيش في مناخ غير حر.
لكن تغير موقفي فقط يوم شاهدت فيديو فيه تحليل جيوستراتيجي وسياسي بديع لِما يسمى بـ"الربيع العربي". وكان ذلك يوما قبل أن يعقد الضيف ندوته الأولى في "بيت الحكمة" ويومين قبل ندوة قصر المؤتمرات (الأحد 26 فيفري 2012). فعلا تغير موقفي من الرجل بصفة عجيبة لا تضاهيها إلا الصفة التي انتقل منها شعبنا من وضع المستبَد به إلى وضع المرشح للتحرر. فقصدت مكان اللقاء وحضرت الندوة.
ولم تأت المفاجأة من طارق رمضان، حيث إني كنت مهيئا لأن أهضم خطابه مهما كان الثمن. فالرجل جاء ليحدثنا في موضوع الحرية، في مناخ حر. ولا يمكن أن يرفض المرء مثل ذلك الحديث إلا إذا لم يكن يرغب في الحرية. وإنما أتت المفاجأة من واحد من المثل العليا التونسية في التفكير لديّ، محمد الطالبي. فمن البداية لم ير الطالبي ضيرا في تصنيف ضيف تونس في خانة السلفية، بل بالأحرى الوهابية. وقد شعرت حينئذ بشيء من عدم الاتساق لم أكن قادرا على تعليله على التو. كيف يدعي الطالبي أنّ دينه "الحرية" (قالها أثناء التقديم) وفي نفس الوقت يتهم بالسلفية الوهابية داعية متحررا؟
في اليوم الموالي بدأت تتاح لي فرص التعليل. وكان ذلك لمّا استمعت إلى الأستاذ الطالبي على إذاعة "شمس آف آم" وهو يشكك في كون رمضان "عالما" أو"مفكرا" واكتفى بنعته بـ"الصحفي" الذي يركب على الأحداث ليلبسها أفكاره. "لا يا سيدي"، قلت في نفسي. "ما هكذا يكون طارق رمضان. لكن ماذا يكون إذن؟
"
في يوم الغد توفرت لي عناصر جديدة للفهم والتعريف. وكان ذلك عند إطلاعي على جريدة المغرب ليوم 28-2-2012 (ص 22): "نجم إعلامي أو عالم إسلامي؟". كان ذلك عنوان لمقال للأستاذ عبد الكريم قابوس يقول فيه كاتبه إن خطاب رمضان "نفس الخطاب الإخواني الذي بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر كركيزة لتثبيت الهوية" و"لا جديد تحت قبة بيت الحكمة في خطاب طارق رمضان إلا ما قاله محمد الطالبي". كلا يا أستاذ، إنّ طارق رمضان لم يأتِ بالجديد في حدود انتظارك وانتظار الأستاذ الطالبي للجديد. لكنه يحمل الجديد في حدود تطبيق الدين. يحمل الفكر الاتصالي الضروري الذي من دونه لن يتم تفعيل الدين كعامل تقدم.
وعلى واجهة متصلة، لقد حصلت الفائدة لديّ: إنّ الأستاذين الكريمين، من بين مثقفين محترمين عديدين، يقيّمون طارق رمضان في أحد البعدين المستقطبين، إما الإسلامي أم الحداثي. يحكمان عليه تارة بالتعاطي مع السلفية الوهابية، وذلك بعيون حداثية. وهذا النمط من الحكم على الفكر إنجاز تونسي بحت. كما أنهما يقرران طورا، وعبر نظرة علمية إسلامية ، أنه ليس بالعالم (الطالبي) وليس آت بالجديد (قابوس). وهذا أيضا اختصاص تونسي بحت. بينما في حقيقة الأمر جاءنا طارق رمضان بالبعد الثالث، بُعد التواصل بين الذات والدين عبر الواقع السياسي، البُعد الذي ينصهر فيه ثنائي الإسلام والحداثة.
بالتأكيد أتى الرجل إلى تونس ليعرض كتابه "الإسلام والصحوة العربية"، وليقدمه كآخر إصدار له، وليحسس العامة بأنّ الكتاب يركز على ضرورة تجنب الاستقطاب و"الهوس بالجزئيات والشكل" وعلى ضرورة "العودة إلى معاني الأشياء" (ترجمة لكلام قاله في ندوة قصر المؤتمرات). نفهم من هذا أنّ كافة منتقديه، الذين يعيبون عليه تأثره بالسلفية أو بالوهابية ولا يرون الواجهة الاتصالية التي يتوسع فيها، كانوا غير قادرين على إنجاز السبق في تجاوز الاستقطاب قبل قدومه، مما حرمهم من الإبحار على نفس الموجة التي يبحر عليها هو، وبالتالي على تقديم نقد مفيد للتونسيين في هذه الفترة الصعبة المتسمة باللخبطة الفكرية والسياسية. كانوا جزءا من المشكلة بينما كان الغرض من وجود الداعية التعاون معهم، ومع كل التونسيين، حتى يتحول الجميع إلى جزء من الحل.
يا أستاذي الطالبي، لقد أتانا طارق رمضان ليوضح لنا أسلوبا ورؤية في التعاطي مع "الربيع العربي" لا أن يعرض علينا العلم الأصلي الذي يتخصص فيه (الدراسات الإسلامية المعاصرة). وهي رؤية نابعة من دون شك من قناعاته العلمية. إذ ما هي الصلاحية الدنيوية للإيمان وللعلم بشؤون الدين وما هي الآثار الطيبة للعقيدة وللمعرفة إن لم تتضح في شكل رؤى سياسية صالحة للمكان وللزمان؟ و ما من شك في أنّ الرجل، الذي له موقف معاد للامبريالية وللتدخل الأجنبي في شؤون العرب، يتموقع بفضل هذه الرؤية في خط معاكس للوهابية التي تتهمه حضرتك بالانتماء إليها . فالسلفية الوهابية متواطئة مع الامبريالية وحاملة لرايتها. إذن إن كان معنى السلفية هو ذاك الذي جلبه لنا طارق رمضان، فمرحبا بالسلفية. وفي المقابل إن أضحى التديّن عاجزا على إفراز مثل ذلك الموقف التقدمي، فذلك العجز هو الأولى بتسميته "انسلاخسلامية". وفي هاته الحالة حتى من تُقرّون أنهم انسلاخسلاميون ليسوا كذلك بل هم مفكرون أحرار عيبهم الوحيد أنهم لم يكترثوا بلزوم تبرير العلاقة بين إيمانهم وما يقترحونه من أفكار وأفعال. وليس من الصدفة أن يكون مثلهم في ذلك مثل طارق رمضان بالذات، الذي لم يطرح على نفسه، ولم تُطرح عليه، مسألة التبرير العلمي لرؤاه السياسية بالمعنى الذي يجعلها مستساغة كتطبيقات للشريعة، كرسائل معاصرة للإسلام.
أتخلص بالقول إنّ طارق رمضان يضطلع بدور نتمنى أن يتقمصه الكثيرون في البلاد العربية الإسلامية، دور المثقف الوسيط الذي يحمل إلى عامة الناس تطبيقات من محض تأليفه، لكنها تطبيقات تستنير بما يكتبه علماء الدين وبما يكتبه كل من يبحث في الدين من أية زاوية من زوايا العلم الدنيوي. وهذا دور لا يقدر أن يضطلع به لا الإعلامي ولا الأكاديمي. فقط معلم التدين هو القادر على تزويد عامة الناس ببيداغوجيا التديّن. وطارق رمضان من الأوائل الذين اكتسبوا دربة في هذا الصنف المطلوب. وهذا ما لم يتفطن له منتقدو الداعية السويسري. إنّ طارق رمضان معلم إسلامي بيّن لنا أنّ إسلاما بلا رسالة كلغة بلا وظيفة.
محمد الحمّار
هل كان عبد الناصر شيطانا أم نحن الشياطين؟
هل كان عبد الناصر شيطانا أم نحن الشياطين؟
لست ناصريا ولا عروبيا أو قوميا معاديا للإسلام ولا إسلاميا معاديا للعروبة وللقومية. مع هذا فكاد يغمى عليّ من الألم لمّا عاتبني أكثر من زميل لي في الشغل على نشر صورة جمال عبد الناصر كصورة رمزية في حسابي الفايسبوكي. لقد نزلت ملاحظاتهم على ضميري كالصاعقة وشككتُ هنيهة أني لم أعد مواكبا لا للتاريخ ولا للأفكار.
بيد أني شهّدت ووحّدت بعد أن أعرب لي بعض مَن عاتبني أنه يفضل رمز نعوم تشمسكي (الذي نشرته بعدئذ كبديل، تبعا لعادتي في تغيير الرموز، لا غير) على رمز عبد الناصر. اندهشت حينئذ من أنّ الشخصية غير العربية (ولو كان اسمها تشمسكي) تحظى بأكثر تقدير وتبجيل من الشخصية العربية، وبالرغم من أنّ هذه الأخيرة اسمها جمال عبد الناصر: عبد الناصر الذي نشأنا على مواكبة خطواته و الاستماع إلى أقواله وقراراته على المذياع؛ عبد الناصر الذي خسر العرب بقيادته حرب 1967 إلا أنه كان الأقرب من قلوب الصغار والكبار؛ عبد الناصر الذي قهر الفرنسيين والانقليز بتأميمه لقناة السويس (في 1956) حتى أنهما اعتديتا على مصر بمعية إسرائيل ( ما يعرف بـ"العدوان الثلاثي)؛ عبد الناصر الذي ترنمنا بنشيد يمجده (اللحن المميز لبرنامج الإذاعة الليبية) حفر عميقا في خلدنا وكلماته تقول "ناصر، ناصر، يا حرية يا وطنية يا روح الأمة العربية"؛ عبد الناصر الذي لما وافاه الأجل المحتوم (في سنة 1970) نزلت كل أهالي مصر إلى الشارع والمذيع المصري يردد عبارات تأبينية لن تنسى " جمال يا أعز الرجال"، والتصقت كل المسامع بالمذياع لتشييع جنازة عن بعد آلاف الأميال من مصر.
ثم يا ليت زملائي المعاتبين الذين فضلوا رمزية نعوم تشمسكي على رمزية جمال عبد الناصر فعلوا ذلك عن وعي سببي يربط بين الهرمين العالميين. حيث إنّ علم نعوم تشمسكي، ربما من باب سخرية القدر، هو الذي يحبذا يخول لنا أن نتعلم ألا ننسى رموزنا ومرجعياتنا وسياسيينا، مهما كانوا سيئين أو ميكيافليين أو فاشلين أو مستبدين أو جاهلين، ناهيك لما تكون المرجعية اسمها جمال عبد الناصر حاكم مصر وقائد العرب وباعث أكثر من ثورة حتى خارج مصر. فكيف ينسى العراقيون والعرب أجمعين صدام حسين وهو الذي حكم بلده، إن خيرا أم شرا، لمدة 34 عاما، ناهيك صدام حسين الذي احتضن الشغيلة العربية والذي بعث بالمساعدات العينية والمدرسية إلى بلدان معوزة مثل مصر وتونس؟ وهل يجوز أن ينسى الليبيون معمر القذافي الذي حكم ليبيا لمدة 40 عاما والذي يسحب عليه الشر كما يسحب عليه الشر؟ بل وهل من المعقول أن يأتي يوم ندعي فيه نحن التونسيون أننا لم نحكم أبدا بمَن اسمه بن علي، ناهيك أن يتضمن كلام بعضهم أنّ الحبيب بورقيبة لا يستحق حتى أن نترحم عليه؟ فاللغة عند تشمسكي ولادية، إذن أليس حريّ بنا أن نبني على ذلك المبدأ العلمي لندرك في مرحلة تمهيدية أننا أناس مطالبون بأن نؤمن بأنّ "الوَسّادة تغلب الوَلاّدة" (تبعا للمثل الشعبي التونسي، "الوَسّادة" هي الزوجة و"الوَلاّدة" هي طبعا الأم).
بالنهاية أملي أن لا نحيد عن مرجعياتنا وأن لا ننسى رموزنا وأن لا نتغافل عن مبدأ النسبية في التعامل مع تاريخنا. فقاعدة التصفية والغربلة لغاية التمييز المتجدد بين الخير والشر، وبين الحق والباطل، و بين الجيّد والرديء، و بين السمين والغث، تستدعي مراجعة استعجالية. فلسنا مطالبين لا بصناعة الشخصية المعبودة ولا بتعمد صناعة شخصية البطل المضاد. نحن فقط مطالبون باستقراء القانون، إن القبلي للعلم أم العلمي، والذي يجسمه قوله تعالى: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ"( الرعد:17).
محمد الحمّار
لماذا تكديس مادة الدرس قُبَيل الامتحانات؟
لماذا تكديس مادة الدرس قُبَيل الامتحانات؟
لماذا يطالب المعلم التلاميذ أكثر ممّا يطيقونه لمّا يكثف لا فقط من مادة الدرس وإنما أيضا من الفروض المنزلية، وذلك في الفترة التي تسبق بقليل الامتحانات (الأسبوع المفتوح)؟ لإرضاء أولياء يتلذذون أحيانا بالسيطرة على ذريتهم بواسطة الدروس المنزلية أم لإشباع رغبة المعلمين أنفسهم في إنهاك أدمغة وأجسام الناشئة لكي يقال عن المعلمين إنهم جدّيون؟
لا هذه ولا تلك جديرة بأن تكون ركيزة لتربية سليمة تعاضد تحرر الذات وبناء الشخصية واستكمال النضج لدى أبنائنا وبناتنا المتمدرسين. إنما المطلوب تخفيف العبء على هؤلاء وذلك بتشريكهم في تمارين تشحذ الذكاء وتنمي ملكة التفكير النقدي، سيما في تلك الفترة الحساسة التي يكون فيها المتعلم مهووسا بقرب موعد الامتحانات بما يعنيه من تداول بين الشغف والخوف، بين التفاؤل و القلق، بين الثقة والتذبذب.
كان الله في عون معلم/ معلمة لم يعتبر نفسه أبا أو أما لتلميذ أو لتلميذة، وإنما يضع نفسه في مكان يكون المتعلم على شفا منضدة الامتحان. وإلا فعن أية تعليم وتربية يتحدثون؟
محمد الحمّار
معلم
هل ستنفع محاسبة قائد السبسي والقدامى؟
هل ستنفع محاسبة قائد السبسي والقدامى؟
كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن دعوى قضائية مرفوعة ضد الوزير الأول الانتقالي الباجي قائد السبسي. وبالرغم من أنّ لكلّ حقه في تشكيل رؤيته لمسألة مقاضاة المخطئين في حق الشعب، إلا أنّ هنالك الرؤية العامة، وهي تتمثل في عوامل الماضي والحاضر والمستقبل مندمجة في رؤية تاريخية تكون الأكثر اتساقا مع الحاجيات الحقيقية للشعب ومع طموحات الشعب. فشعب تونس، الذي هو بصدد التعلم من تجربة الانتقال الثوري من الاستبداد إلى الديمقراطية، في أمسّ الحاجة إلى تعلم كيفية تناول مثل هذا الإدماج سواءً بخصوص الرؤية التاريخية أو بخصوص رؤى مختلفة وعديدة أخرى تطرح نفسها على الفرد والمجتمع.
وفي سياق التعلم التاريخي يمكن أن نستشهد بما قاله الأمريكي ألفن توفلر مؤلف كتاب "رجّة المستقبل و الموجة الثالثة" (عن مجلة "نيوزويك" بتاريخ 9-10-2006 ص 59) "إنّ الأمّي في القرن 21 سوف لن يكون ذاك الذي لا يحسن القراءة و الكتابة وإنما سيكون ذاك الذي لا يحسن التعلّم، محو ما تعلّم ثمّ إعادة التعلّم." لكن يحق التساؤل ما الذي سيتعلمه الشعب التونسي، والعربي، الذي عانى الويلات من شتى أصناف المجرمين، وما الذي سيمحوه من عقله التعليمي وما الذي سيعيد تعلمه لكي يكون في مستوى الرسالة الثورية، علما وأن هذه الرسالة عربية وعالمية أيضا.
إنّ ما يتوجب أن يتعلمه هذا الشعب هو حسن التصرف في ذاكرة الآثام المقترفة قديما في حق الشعب، وفي وآثار الجرائم المرتكبة ضده، وفي مخلفات العديد من الإهانات التي ذهب ضحيتها. وحسن التصرف لا يتطلب النسيان بقدر ما يتطلب الاستحضار الواعي والمنتج الإيجابي للسلوك على كافة الأصعدة. فما من شك في أنّ الذين بادروا برفع شكوى ضد قائد السبسي لم يفتروا على الشخص. ولكن في المقابل قد تؤدي حركتهم هذه إلى افتراء الشعب بأكمله على نفسه وذلك بتعطيله الذاتي لمسيرته التحررية. كيف ذلك؟
لو ينصاع الشعب الآن، في الفترة البَعدية للاستفاقة التاريخية الجماعية، لمثل تلك المقاضاة لأناس كانوا قد ساهموا بشكل أو بآخر في الإضرار بالشعب، إن بالاستبداد أم بالقمع أم بالقتل أو بأي لون من ألوان الظلم، سوف يحكم على نفسه بتضييع الجهد (الطاقة) والوقت والمال في تجميع وتوثيق ما يستلزمه الأمر من معلومات. ثم لو انصاع الشعب للمقاضاة التاريخية، لأهدر المزيد لأنّ عجلة البحث عن الآثمين القدامى لن تقف عند قائد السبسي ولا عند بورقيبة ولا عند عبد الله فرحات ولا عند غيرهم. بل ستدور العجلة بسرعة جهنمية حتى تطال فرنسا واستعمارها لتونس، وستطال كل من قتل نفسا بريئة بشكل جعل أية عائلة تونسية فقدت واحدا من أفرادها على وجه الظلم تنبري ضد الظالم، إن كان حيا أم ميتا، وسوف يُدمج الأموات مع الأحياء فوق حلبة سريالية لا طائل من ورائها.
في المقابل، نعَم لقراءة تاريخية جديدة لتونس الجديدة نضع من خلالها الإصبع على مكامن الأدواء ونحدد بفضلها المسؤوليات ونذكر عبرها أسماء كل من أسهم في إذلال الشعب. لكن هذا الصنف من الإنجاز الإيجابي يبقى من مشمولات البحث العلمي والتوثيق والإعلام والتربية، لا من مشمولات المحاسبات الجنائية والسلطة القضائية. فشعبنا ليس مطالبا بتعلم أساليب الثأر من الجناة ، أمواتا كانوا أم أحياء، بقدر ما هو مطالب باستقراء العبرة مما جرى حتى يكون مضطلعا بتاريخه حق الاضطلاع ويكون متحررا من العقد التي كانت تكبح جماحه وتكمم لسانه وتعيق فكره. من هذا المنظور يكون قد محا القبيح من ذاكرته، بما معناه أنّ ما كان قبيحا صار مُولدا للجميل من الأفكار البناءة. كما يكون قد تعلم كيفية الاستفادة من دروس الماضي بدليل أنه أصبح قادرا على تحويل المادة الرديئة إلى مادة جيّدة.
أخيرا وليس آخرا، بهذه الطريقة يكون الشعب قد أعاد تعلم العلم والدين معا في ذات الوقت، وذلك لأنه أضحى يربي نفسه على إرضاء ربه وإرضاء العباد أثناء إنجازه لبرامج، لا أثناء تعلقه المرَضي بالعلم أو بالدين (أو بالاثنين) بينما يعوزه المنهاج التاريخي القويم. علما وأن تلك البرامج ما كانت لتخطر بباله لو تعنت في الثأر لنفسه من جلاديه القدامى. فلنقرأ تاريخنا مليا حتى لا تكون الفرصة سانحة لتبرير تواجد جلادين جدد لا قدر الله.
محمد الحمّار
التجارة في تونس من ختان الإناث إلى تأنيث الذكور
التجارة في تونس من ختان الإناث إلى تأنيث الذكور
روى لي جاري أنه كان ينوي التمتع بعشية السبت للتجوال في شوارع العاصمة ولاقتناء بعض الملابس لابنه بعد أن لبت بناته حاجياتها قبل أسبوع. يقول الأب إنه رأى عجبا في تلك العشية وذلك لمّا سولت له نفسه الدخول إلى دكان فثان فثالث فرابع فخامس يختص في بيع ماركة مسجلة من سراويل الدجين. طبعا كانت نيته ربط الماضي بالحاضر والوفاء لتلك الماركة التي يؤكد أنه كان من الأوائل الذين تعاطوا معها منذ بعثها في تونس.
يواصل الصديق الجار قائلا بينما كان نجله يجرب ارتداء بنطلون كان قد اختاره من بين الملابس المعروضة وإذا به يتفطن إلى أن القفل على مستوى الحزام يوجد على الجانب اليساري من السروال عوضا عن اليمين. ثم يتمادى الرجل في الوصف مشددا على أنه تبيّن بنفسه من أنّ طريقة قفل البنطلون تدل على أنه مصنوع خصيصا للبنات.
علقتُ حينئذ على كلام صديقي معربا عن استغرابي من الأمر لأنه عادة ما تكون الفتيات هنّ اللئي تقتنين عنوة سراويل الدجين ذات التصميم الذكوري لأن الأمر لا يمثل لهنّ مشكلة في المظهر بينما لمّا يلبس الولد سروالا مصمما خصيصا للبنات فذلك متناقض مع المعاملات الصناعية والتجارية وحتى مع مقاييس التقليعات والموضة. ويعني هذا أنّ التاجر تعمد الغش ومغالطة الحريف.
بعد أن انشرح صدره لما لاقاه فيّ من تأييد لموقفه في حين أنه كاد يشك في معارفه ه أثناء ترحاله من دكان إلى آخر ليلقى اندهاشا غير طبيعي من موقفه لدى الباعة والبائعات في الدكاكين الأربعة التالية التي زارها يومئذ، وقبل أن يمضي في حال سبيله، نظر إلي جاري الراوي لمدة ثوانٍ طوال، لكأني به تذكر شيئا مهما نسي أن يفصح لي به: "وجدي غنيم قد مرّ من هنا. فلا شك في أنّ تجارنا أرادوا أن يمارسوا الطهارة على التجارة تبعا لقوانين "أثر وجدي غنيم" وذلك بأن سارعوا إلى صنع واحدة من علامات الساعة: تأنيث الذكور بفضل السراويل المختونة..." ولله في خلقه شؤون.
محمد الحمّار
أزمة الإعلام انعكاس لأزمة الفكر
أزمة الإعلام انعكاس لأزمة الفكر
الإعلام في تونس، عدا قلة من القلائل، يشكو من عدم التمكن من الآليات التي تجعله محايدا. ومن هذا المنظور فهو مرآة تعكس الفكر في تونس. المطلوب إذن تغيير الفكر ليتغير الإعلام. لكن المشكلة أن الفكر يستدعي إعلاما ليقود التغيير بينما الإعلام، بناءً على أنه ليس في حالة صحية، لا يسمح للفكر بالقيام بهذا الدور ./.
تلاميذ المعهد النموذجي بأريانة ضحية البراكاج والعنف الجسدي
تلاميذ المعهد النموذجي بأريانة ضحية البراكاج والعنف الجسدي
منذ أسابيع بدأت عمليات براكاج وعنف مادي تستهدف تلاميذ المعهد النموذجي بأريانة. وما لبث الوضع أن هدأ لمدة تشبه الهدنة حتى عادت حليمة إلى عادتها القديمة منذ أيام قلائل. استيقاف وتهديد واستفزاز وسلب للمتاع وللمال وما إلى ذلك من الأعمال المشينة يتعرض لها تلاميذنا من طرف شباب مدرسي يأتون من أحياء ومدارس مجاورة ويترصدون ضحاياهم على بضعة أمتار من الباب الرئيسي للمعهد إن لم نقل على عتبته. فاليوم (الخميس 23 فيفري) كنت شاهد عيان لاعتداء بالعنف الموصوف على شابين منتميين للمعهد، مما تسبب لهما في جروح مختلفة استدعت الإسعاف الطبي الاستعجالي لأحدهما.
ما هذا وأين نحن رائحون؟ أين السلط المحلية بمنطقة أريانة؟ لئن نثمن قدوم رجال الأمن على إثر شكوى بلغتهم اليوم حوالي الساعة الواحدة بعد الزوال واستفسارهم الأمر ثم قدومهم ثانية أثناء الحصة المسائية لترصد العابثين، فإن المأمول تضافر الجهود وتكافل جميع الأطراف من إدارة المعهد و مدرسين وأعوان تأطير وعملة وأولياء وتلاميذ وسلط محلية لإنقاذ المعهد ومن يرتاده من كابوس العنف والسطو والانفلات المسلط عليهم.
محمد الحمّار
بلاد بلا طهارة
وقتللي الكوارجي ولى مليونار والمدرب ولى ملياردار والمعلم ولى صباب ماء عاليدين والوزير ولى مَشاشو والشيخ ولى مراهق و المحامي ولى فاتح مكتبو في الراديو والتلفزة، و والبنات ولاو يطهرو ....أصبحت البلاد بلا طهارة.
م.ح
ياخي أحنا عندنا مشكلة؟
المشكل التواصلي: أحنا مسلمين لكن ثمة صوت قوي يقول "لا"؛ الأولاد مطهرين لكن ثمة صوت يقول "لا، موش هوما"؛ أحنا جهلة لكن ثمة صوت يقول "لا، أنتم شعب سِميع وزوّيق"؛ أحنا ما نقدروش نعيشو وحدنا بين البحر وليبيا مُعاقة أكثر منا والدزاير شادة فرينواتها والمغرب نشعرو بيه أبعد من استراليا لكن ثمة صوت يقول "لا، بش بش بش..."؛ أحنا نعبدو المادة وثمة صوت يقول"لا، زيد على قدام بش تولي تعبِدها"؛ أحنا نتاجرو بالدين وثمة صوت يقول "لا ما تلعبوناش أحنا أقوياء جـــــــــــــــــــــدا"
م.ح
الداعية وجدي غنيم أمام محكمة الاجتهاد السليم
الداعية وجدي غنيم أمام محكمة الاجتهاد السليم
اكتشفتُ منذ مدة أنّ من ناحية المبدأ كل ما يفكر فيه و يقرره المسلم هو من الشريعة. طالما أن الفكرة عموما وفكرة المسلم في ما يخصنا، إنتاج لغوي، إن بالقول أم بعدم القول. والمطلوب القيام به لتطبيق المبدأ هو أن يتعامل المسلم مع اللغة بحسب مواصفاتها الفطرية الولادية، علما وأنها مواصفات تحررية بامتياز.
لننظر إلى خطاب وجدي غنيم مثلا الذي أقام الدنيا في تونس مؤخرا. إنه خطاب لغوي وديني مفهوم، مع أنه يستبطن تطبيقات غير مفهومة، مما يحكم عليه بأنه غير مفهوم. فهو مفهوم لأنه صحيح لكنه غير مفهوم لأنه غير قابل للتطبيق. إنه صحيح حسبما يصفه علم الألسنيات من أنه من صنف "الأحلام الخضراء عديمة اللون (التي) تنام بشراسة" (ترجمة للمثال الذي يردده العالم الألسني نعوم تشمسكي). وهذه الصحة مفهومة بنائيا لكنها غير مفهومة دلاليا.
لنعُد إلى وجدي غنيم: ألم تلاحظوا الأريحية التي يؤكد بها هو وأشباهه وأنصاره على أنّ خطابهم صحيح؟ وفي المقابل ألم تتساءلوا لماذا الكثيرون منا يعتبرونه خاطئا؟ مَن منا صحيح ومن منا مخطئ إذن؟ هم أم نحن؟ في الحقيقة، الجمعان صحيحان لكن الأصح هو الذي سيوفر للجماعة المسلمة الفهمين الاثنين في الوقت نفسه: فهم الشكل والبنية مع فهم الدلالة، كما سنرى.
يقول غنيم "أليس كلنا يعلم أن شعر المرأة عورة؟". وكلامه هذا صحيح من حيث المعنى "الخارجي" بالمفهوم التشمسكي (المبكر)، وصحيح من حيث أنه متوازٍ مع "القدرة اللغوية" بالمعنى التشمسكي(الجديد). ومن الممكن تسميتها "قدرة دينية" في المجال الذي نتناوله. لكن المشكلة أنه ليس صحيحا من الناحية التطبيقية: رغم علم غالبية النسوة بأن شعرهن عورة إلا أنّ ليست كل امرأة تقبل بتغطية رأسها. كما أنّ ليس كل زوج لامرأة رأسها عارِ يشترط أن تغطي رأسها لتستدام علاقته معها. وليست الفتاة أو المرأة عارية الرأس مهددة لا قدر الله بحرمانها من حقوقها الإنسانية و المدنية. إنّ التطبيقي، عبر هذه الوضعيات، ذو طبيعة تواصلية، لا شكلية أو بنائية. إذن يمكن القول إن الخطاب السلفي عموما وخطاب وجدي غنيم لا يمتلك ما يسمى، بالأدوات التشمسكية "القدرة التواصلية".
ويتسق هذا التمشي الألسني كليا مع كلام العلماء، المفسرين بواسطة منهاج المقاصد، من أمثال الأستاذ محمد الطالبي و الشيخ عبد الفتاح مورو والشيخ محمد الطاهر بن عاشور قبلهما. فما سميناه "قدرة دينية" (بالتناظر مع "القدرة اللغوية") هو جملة الأحكام القرآنية الأصلية. أمّا ما سميناه (بالتطابق مع اللغة) "قدرة تواصلية"، فهو اعتماد أسباب النزول قديما والتفسير السياقي حاليا.
قد تنفعنا هذه الطريقة مستقبلا في أبعاد من أهمها أذكر: توسيع مجال التفسير وذلك بفتح آفاق تسمح بابتكار الأبعاد المتوازية بين الإسلام من جهة والعلوم المختلفة من جهة أخرى؛ نقل الاجتهاد شيئا فشيئا من بوتقة الديني الصرف إلى مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها؛ توليد الرغبة لممارسة الاجتهاد الشخصي في مجال فقه الواقع شريطة أن يخوض الاجتهاد في الفروع لا في الأصول.
بالنهاية من الممكن إصدار حكم اجتهادي تجريبي على الداعية وجدي غنيم وعلى مروره بتونس، وذلك بالقول إنه قد يكون عالما نابغا في الدين وقد يكون متدينا مثاليا إلا أنّ خطابه غير متصل بالواقع.
محمد الحمّار





