مشروع مداخلتي المرفوضة من طرف وزارة التربية
مشروع مداخلتي المرفوضة من طرف وزارة التربية
في إطار "الندوة الوطنية حول منهجية إصلاح المنظومة التربوية" التي ستنتظم في أواخر شهر مارس الجاري
المحور: أية منهجية لإصلاح المنظومة التربوية
موضوع البحث: "التعريب العكسي" في منظومة إصلاح تعليم اللغات"
(ملخص: 285 كلمة)
الإطار العام
يندرج "التعريب العكسي" في الأطر التالية:
ظرف تونسي وعربي يتسم برغبة في التحول السياسي وبما سيفرزه من تحولات على عديد الأصعدة.
ظرف تونسي وعربي يتسم بالتردي الثقافي والتربوي والتعليمي وبالتبعية اللغوية للآخر.
المبدأ والأدوات
سمي "التعريب العكسي" كذلك لأنه ليس مباشرا ولأنه لا يمثل منهجية لتدريس اللغة العربية. فهو جزء لا يتجزأ من تصور شامل لمنظومة لتعليم اللغات تكون صالحة لمجتمع ناطق بالعربية كلغة أم أي ديّنا بالإسلام. لذا يأتي كنتيجة لموقفين: موقف من تعليم اللغات بما فيها اللغة العربية؛ موقف مجدد من الدين الإسلامي.
هنالك شرطان أساسيان لا بد أن تتم تلبيتهما لدى المتعلم لكي يتوفر المناخ لتحقيق "التعريب العكسي":
أ. الحداثة: المعرفية واللغوية؛ ومصدرها اللغة الأجنبية، شريطة حذق تعلمها.
ب. الأصالة: ومصدرها رؤية مجددة للدين/ مقاربة جديدة للتديّن.
لكن لتأمين التأليف بين هاذين العاملين لا بد من الاستناد إلى صمام أمان: "التناظر والتطابق بين اللغة والدين". وهي آلية تأليفية صالحة لنمذجة السلوك بفضل استكشاف المساحات العديدة التي يشترك فيها ثنائي "الكلام" و"التدين بالإسلام".
المنهجية والمسلمات
أ. ضرورة تصحيح منظومة تعليم اللغات الأجنبية بما يضمن استقلاليتها عن بعضها البعض وأيضا تلاقح كل واحدة منها مع اللغة العربية.
ب. ضرورة وصل اللهجة العامية بالعربية الفصحى بطريقة تسمح التبادل المرِن بينهما ابتغاء الارتقاء بالفصحى إلى المستوى المنشود من التبليغ الطبيعي والتعبير عن الذات وعن الحياة.
ج. ضرورة تأمين مناهج لتعليم اللغة العربية تتوفر فيها المناولة السوية للعناصر الحداثية بمصدريها: اللغة الأجنبية من جهة، واللغة العربية الموسعة أي المُطعمة بفكر العامية وبآثار بيداغوجيا السلوك المتدين من جهة أخرى.
النتائج المرتقبة
أ. الأداء اللغوي العام والأداء بواسطة العربية.
ب. تأمين التواصل المرِن بين العربية من جهة والمعارف والعلوم من جهة أخرى.
ج. الإسهام في الارتقاء بالفكر عموما والفكر الإسلامي.
د. الإسهام في الارتقاء بالفكر السياسي وفي القضاء نهائيا على مبررات التنافر بين الدين والسياسة.
محمد الحمّار
هل سنصلح التعليم حقا؟
ما لبثت أن تحصلت على اعتذار من طرف وزارة التربية لعدم إدراج مداخلتي في برنامج "الندوة الوطنية لإصلاح المنظومة التربوية" التي ستعقد أيام 29 و 30 و31 مارس الجاري. واكتفت الوزارة بدعوتي لحضور النقاش.في حقيقة الأمر لست راضٍ عن هذه الدعوة وذلك لأسباب من أهمها أذكر:
أولا، أنا من المدرسين المباشرين في المعاهد الثانوية ولست من المتفرجين على العملية من بعيد وحتى من قريب. أنا من الذين في داخل المنظومة ومنها وإليها. لذا فإذا لا يدعوننا نحن لإثارة المشكلات الحقيقية للقطاع، مَن المؤهل غيرنا للقيام بذلك؟ ثانيا، لا حظت من خلال بعض الدعوات للمشاركة بمداخلات أن التوجه معلوماتي اتصالي. طيب، هذا جميل. لكن جماله ظاهري فقط أما باطنه فيتمثل في خشية المربين المباشرين أن يكون هذا التوجه حداثوي لا غير، أي أن يكون تواصلا للدعاية الالكترونية والفنية والتقنية التي سبقت سقوط دولة الفساد. وإلا فما الذي يخيف الساهرين على إدارة القطاع لو عاودنا الانطلاق في التفكير الجدي في وسائل ومنهجيات الإصلاح التربوي بالاكتفاء بالطباشير والسبورة، حتى يكون التفكير سليما وعذريا؟
ثالثا، إن مخاطر تفخيم الواجهة الأداتية السمعية البصرية ومتعددة الوسائط تتمثل بالخصوص في الحيلولة دون رؤية الحاجيات الحقيقية للناشئة من بنزرت إلى برج الخضراء. فمدارس القُطر التونسي تحتضن شبابا من بينهم نسبة كبيرة لا تتوفر لديهم ضروريات الحياة من مأكل وملبس وترفيه، فكيف نفكر في تربية هؤلاء مع إغرائهم بوسائل عصرية خلابة وجلابة مثل السبورة الالكترونية و"الداتاشو" وهم لا يقدرون أحيانا على تحصيل الثلاثة وجبات اليومية الضرورية للحياة؟
لو كان الفاعلون في القطاع التربوي يعتزمون إرساء منظومتين تربويتين اثنتين، واحدة خاصة بميسوري الحال الذين يقدرون على مجاراة الوسائل العصرية، وواحدة مخصصة للمعوزين ولأبناء وبنات المناطق الريفية والنائية أكون متفهما ولو أني لن أكون راضٍ بالمرة. أما أن يحدثنا المشرفون عن القطاع عن منظومة واحدة، كما يريده المنطق، ففي هاته الحالة يتوجب على كل الأطراف الضالعة في العملية التربوية أن ينزعوا إلى التوازن. والتوازن لا يحصل إلا بفضل الوسطية، بدءً بالرؤية الشاملة ومرورا بتشخيص الحاجيات وانتهاءً إلى توزيع الأغراض والأهداف، وذلك بفضل توخي العدل بين الجهات وبين الفئات الشبابية المتمدرسة وبين المدارس بأصنافها المختلفة وبين المناهج والوسائل التعليمية.
بالنهاية إن اتفقنا على حاجتنا إلى منظومة واقعية تكون متكاملة ومستجيبة لحاجيات شباب تونس ككل، فلنتفق من الأول على التواضع حتى نبلغ درجة من التفكير في من لا موارد حياتية لهم وفي الريفيين وفي أبناء صغار الفلاحين وفي البدو وفي الرحل. وسندرك حينئذ أنّ هؤلاء ما زالوا في غنًى عن المنظومة الالكترونية السحرية.
محمد الحمّار
إصلاح التعليم: هل أجابت وزارة التربية الراغبين في المشاركة في الندوة؟
إصلاح التعليم:هل أجابت وزارة التربية
الراغبين في المشاركة في الندوة؟
بعد انتهاء أجل تقديم مطالب المشاركة في "الندوة الوطنية حول إصلاح المنظومة التربوية" المزمع عقدها في أواخر الشهر الجاري، وبعد انتهاء الأجل الذي حددته الوزارة لدعوة من تم قبول ملفاتهم (وذلك يوم أمس 10-3-2012، بودي، كواحد من الراغبين في المشاركة ممن قدموا مطلبا في الغرض، أن أعرف إن الوزارة بعثت إجابة إلى الأشخاص الذين قبلت مطالبهم.
وإذ أعتبر أني من هؤلاء الذين يؤمنون بأن لا إصلاح إلا بتشريك أهل الذكر، وهم طبعا المعلمون والأساتذة قبل سواهم، وإذ أعتبر أن بحوزتي برنامج إصلاحي ينبع من تجربتي الطويلة والناجحة كمدرس، فإني أسائل الوزارة الموقرة أن تولي الأمر العناية اللازمة والله ولي التوفيق.
(يتبع)
من أجل إعادة الاعتبار للمدرس
من أجل تربية ثورية وتعليم ثوري
من أجل أجيال وطنية ومتحضرة
محمد الحمّار
أستاذ اللغة والآداب الانقليزية/كاتب/باحث
حديث الهوية باللغة الأجنبية؟
حديث الهوية باللغة الأجنبية؟
في هذه المرحلة الفوضوية التي تمر بها البلاد أضحينا شبه مسخرين لتقبل أغرب الممارسات. بعد وجدي غنيم خاتن العقول جاء دور الجمعيات الأجنبية لتقرع الطبول. ها هي تنظم المناظرات الفكرية على أرض تونس الثورة والحرية، وبسواعد وعقول تونسية، وبموضوع تونسي.عدا اللغة، فهي الانقليزية. أيُعقل هذا؟
لو كان الأمر يتعلق بمناظرة عالمية تضم أطرافا تختلف في الثقافة وفي اللغة ويكون موضوعها مشتركا بين هاته الأصناف يصح القول إن استخدام اللغة الانقليزية، ولو كان مقر المناظرة تونس، له مبرراته. أما أن يكون الموضوع "هل يجوز تعاطي السياسة في المؤسسات التعليمية" وأن يكون مجتمع تونس هو المعني وشباب تونس هم المعنيون ومربو تونس هم المرشحون لتأطير الحوار في هذا الموضوع، فما دخل الانقليزية وما دخل الفرنسية أو الإسبانية أو غيرها من اللغات حتى تلتئم التظاهرة بواسطتها عوضا عن اللغة الأم، العربية؟
إن استعمال اللغة الأجنبية للحديث في موضوع ذي أبعاد وطنية بحتة خطير إلى أبعد الحدود. من جهة لأنّ المتحاورين كلهم من أبناء وبنات البلد، واللجوء إلى لغة غير العربية يدل على تفريقهم، وبالتالي تفريق المجتمع بأسره، بواسطة اللغة. إذ إن التعبير بالأجنبية بخصوص شأن تونسي بحت سيُرسخ إما الانبتات وإما الاغتراب لدى المشاركين. ذلك أنهم سيستبطنون بصفة غير مباشرة شعورا مفاده أن الحسم في المسألة المطروحة للنقاش لن يكون إلا أجنبيا تبعا لأن اللغة المختارة هي لغة الأجنبي. كما أنهم سيستبطنون مفهوما مفاده أنّ اللغة العربية ليست لغة معبرة عن الحلول بل أنها لغة المشكلات الباقية بلا حلول. ومن جهة أخرى لأنّ منظمي التظاهرة، وهُم من الأجانب الموجودين على أرض الوطن، لا يمكن أن يتم التعامل معهم إلا كمدعوين إلى نشاط أين يقع الترحاب بهم مثلما يقع الترحاب بالضيوف عند كل الثقافات . وبناءً على أنها تظاهرة تقام بين شباب متحد حول هويته ومتأصل في تربته الثقافية ومعبرا عن نفسه بلغته الأم، ما على الضيوف إلا أن يمتثلوا لعادات وثقافة البلد المضيّف بأن يتزودوا بما يلزم من اللغة العربية أو بأن يتجاوزوا العائق اللغوي بجلب مترجمين معهم للغرض.
لكن للأسف، بالرغم من أنّ هذا الترتيب من مشمولات أصحاب المكان والموضوع، إلا أنه لم يحصل. بل الذي حصل إنما هو تفوّق إرادة المنظمين الأجانب للتظاهرة، الذين توصلوا إلى فرض لغتهم دون سواها كلغة للحوار وللنقاش ولإيجاد الحلول. علما وأنّ تمشيا معاقا مثل هذا لن ينجح لا في تأصيل ثقافة الحوار ولا في تحسين الأداء اللغوي، ناهيك في وضع الإصبع على موطن الداء ومنه توصيف العلاج اللازم.
لكل المعنيين بمثل هذه التظاهرات والضالعين فيها أقول: ها أنكم تجعلون المرء يشعر بالحد الفاصل بين أن يكون دارسا أو مدرسا للغة الأجنبية، و في نفس الوقت ممارسا للتعبير عن هويته كاملة وبكل حرية، لغوية كانت أم دينية بالأساس، وبين أن يكون أمام خيار واحد أوحد يتمثل في قبول المشاركة في التغريب الذاتي والانسلاخ الهوياتي بعنوان أنه يعتز بإتقانه اللغة الأجنبية التي يتعلمها أو يُعلمها.

محمد الحمّار
أستاذ اللغة والآداب الانقليزية
لا نحتاج إلى دُعاة إسلام أوروبا وأمريكا لبناء الحضارة 3
لا نحتاج إلى دُعاة إسلام أوروبا وأمريكا لبناء الحضارة 3
حذار أيها الشباب العربي من إسلام أوروبا وأمريكا؛ فمُسلموا تلك البقاع كلهم إخوان وأخوات لنا، إنما لا يعني ذلك أنه يجب اتباع دُعاتهم. والسبب هوأنّنا شبِعنا - وما زلنا نشبع - دروسا من أوروبا وأمريكا في موضوع الحضارة، لكنّ الوقت قد حان لكي يتبعوننا في مادة هندسة الحضارة 3. وهي هندسةٌ بما معناه أنّها تنتهج العلم المنبثق من الإيمان، لا الدعوة والوعظ والإرشاد. لآننا في عصرٍحديث 3: عصر الإنتاج الحضاري لا عصر الشك في كوننا مسلمين.
إنّ الإصغاء إلى دعاة إسلام أوروبا وأمريكا يجعلك تعتقد أنك غير مسلم بينما الإسلام مستبطَنٌ في وعيك وفي لاوعيك. يجعلونك تعتقد أنك، مثلهم، بحاجة إلى الإسلام، بينما أنت بحاجة إلى بناءٍ حضاري منطلق من عقل وروح المسلمين.
محمد الحمّار
نعملُ لآخرتنا كأننا نموت بعد 2022
نعملُ لآخرتنا كأننا نموت بعد 2022
سأكون واضحا من الوهلة الأولى. لستُ إسلاميا ولا علمانيا. لستُ ضد الرياضة بل أنا من عشاق كرة القدم (التونسية والعربية) ومن روّاد الملاعب. كما أني أكنّ مودة ثابتة لشعوب الخليج العربي وحنينا مطبوعا إلى ربوع بلدانهم الحالمة وأحمل في نفسي أشواقا إلى البقاع التي قضيت فيها سنتين كاملتين من عمري.
أمّا حدث إعلان "فوز" قطر الشقيق بقرار احتضان دورة كأس العالم لكرة القدم في سنة 2022 فلم يخطر لي بالبال ولم يثبت لي في النفس. ففي ذلك اليوم، الخميس 2-12-2010، كنتُ صحبة نجلي في صالون الحلاقة بالحي مسقط رأسي بالعاصمة لمّا تفطنتُ أنّ ربما كل الناس عدا أنا كانوا بانتظار ما كنتُ جاهله. وقد نزل عليّ الخبر المُعلن (على شاشة التلفزيون) على التوّ في دفعة من الشحنات المتحَدية لإحساسي بالأصالة العربية الإسلامية، والمتجاوزة لطموحاتي في الإسهام في إعداد جيل عربي جديد يعرف نفسه بنفسه وواثق بها، والمحبطة لكثير من آمالي وأحلامي بأمة تعمل لآخرتها كأنها تموت غدا مع عملها لدنياها كأنها تعيش أبدا.
لقد تزامن خبر قطر محتضنا لكأس العالم في سنة 2022 مع غصّ أحد الحلاقين الاثنين بالأكل وشرقه بسائل من الشراب. وهو الذي كان متفرغا في تلك اللحظة و مغروسا في كرسي الزبون، مشرئبّ العنق قبالة الشاشة المعلقة في أعلى الحائط، يلتهم حلوى "المقروض" القيرواني القطعة تلو القطعة، و يسقيها بين الفينة والأخرى، وبين كلمة لجوزيف بلاتر وأخرى، بسائل الياغرط.
لقد غصّ الحلاق العاطل وقد غصّت ربما من ورائه ملايين البلاعيم العربية الصامتة والمشتاقة لِما يسدّ الرمق و يحلو للذوق. سارع الحضور بمدّ يد المساعدة والإغاثة للحلاق 'عبد الله الفرحان' حتى استرجع أنفاسه ونفض الغبار عن عينية ليتأمل على نحو أفضل صورة الزعيم العالمي جوزيف بلاتر وهو يعرب عن ارتياحٍ غير مسبوق لنجاحه في أن يضمن، الآن وقبل 8 أعوام و 12 سنة من موعدها، السيل الهائل من الدفوعات الذي سيتدفق من عند البلدين المضيفين على التوالي (روسيا وقطر).
وما فتئ أن أتمّ الحضور تراتيب الإغاثة حتى شرع كل واحد منهم، وكذلك بعض المارة المستأنسين بالصالون ذي الباب المفتوح للجميع، في أداء بعض الحسابات الغريبة التي أثارها الخبر المُعَولِم. وكانت المُساءلات تحوم، كلّ حسب عمره وما تسمح له به طموحاته، حول مَن سيعمّر إلى ذلك الحين ومَن سيقصد وجه ربّه قبل أوان اللحظة الحاسمة للموعد الكروي العالمي؛ حول ما إذا كان أكبر شيوخ الحي سيلحق بركب 2022 أم لا، وحول ما إذا كان الفتى زيد سيتوفاه الأجل المحتوم قبل الشيخ عمرو، وحول ما إذا كان الرضيع فلان ستأخذه يد المَنون قبل المعمّر علاّن.
في الأثناء كنتُ أراجع حسابات وأثبّتُ حسابات.ولاحظتُ أنّ للعرب والمسلمين مشكلة أخرى كانت كامنة وإذا بالحدث الرياضي الاستباقي يخرجها إلى السطح: إننا نأخذ عن العالم السياسات باسم العلم (علم الاستشراف وعلم التخطيط وعلم الاستراتيجيا، على المدى القصير والمتوسط والبعيد) وباسم تكافؤ الفرص وباسم التضامن وباسم التسامح والإخاء وباسم التقدم وباسم الحرية، وبعناوين عديدة أخرى، بينما لا نشارك في تصميم تلك السياسات، لا بالارتكاز على فلسفتنا في الحياة، ولا بالإدلاء بدلونا في مجال الحقيقة حسب ما تُمليه علينا أصالتنا، ولا بتحيين تلكم البرامج والسياسات حسب متطلبات الفكر المعاصر لدينا وبإرادة مستمدة من حقيقة كونية نكون قد ساهمنا في تشكلها. وبهذا النقصان في المهارات الوجودية نكون قد حوّلنا، من حيثُ لا نشعر، كلمة الخير إلى كلمة أريد بها شرّ، والنعمة إلى نقمة والعياذ بالله.
بالتأكيد، المطلوب أن نعمل على أن يكون بالإمكان الانتظار إلى غاية 2021 لأخذ القرار حول من سيستضيف دورة العام الموالي. إذ حين يكون عاما واحدا كافيا لتحضير دورة في كأس العالم، يكون الفكر (العربي، المساهم فعليا في القرار) مبرهنا على أنه صار قادرا على أن يكون غير مسبوقٍ بإرادة الآخر، ولا مطبوعٍ بالعولمة ولا منفصلٍ عن الحداثة.
لست ممّن يُحوّلون النعمة إلى نقمة لكني من هؤلاء الذين يعتبرون الرياضة نعمة فقط لمّا لا تؤثر فينا إلى درجة تقلّب الحقيقة لدينا رأسا على عقب، ولمّا نكرّس واقعا غير الواقع الذي ينبغي أن يتولّد من الإرادة الذاتية، ولمّا لا نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدا بل نعمل لآخرتنا كأننا نموت بعد سنة 2022.
محمد الحمّار
كيف نصحّح الرؤية لتعليم اللغات ونحرّر العربية
كيف نصحّح الرؤية لتعليم اللغات ونحرّر العربية
في ما يلي مقطعٌ مُترجَم ممّا يشبه صفحة من كتاب الانكليزية للمبتدئين:
مُتكلم 1: أنا اسمي عبد الله. ما اسمكِ لو تسمحي؟
مُتكلم 2: مرحبا عبد الله. أنا اسمي فاطمة.
متكلم 1: أهلا فاطمة. أنا سعيد بمعرفتك.
متكلم 2: أنا سعيدة بمعرفتك أيضا.
هذا التبادل البسيط للمعلومات بين متكلمين اثنين قد يكون مُدرَجا في مناهج التعليم المعمول بها و فاتحة الدرس الأول في الانكليزية لمتعلّم غير ناطق بها. ولمّا كان اهتمامي بالمتعلم العربي دون سواه وخصوصا الطفل والشاب، أقول إن هذه البداية خطيرة على مستقبل المتعلم؛ على اللغة الأجنبية التي يتعلمها وكذلك على لغته الأمّ (العربية) وعلى هويته كمنتسب للثقافة العربية الإسلامية.
لو كان من المُزمع أن يتمّ إنجاز ذلك التبادل التواصلي في مرحلة أخيرة من درس اللغة، مرحلة التأليف والبث، أين يكون المتعلم مطالَبا بإثبات هضمه لِما تعلمَه، لَمَا استنكرتُ الوضع. بل بالعكس أنصح مُدرسي اللغة بتكثيف إدراج عبد الله وفاطمة في حوار مماثل. لكن الخطر يكون محدقا لمّا يحدث التبادل في مرحلة التقبّل، أين من المفروض أن يكون الحوار بين 'بيتر' و'دجاين' لا بين عبد الله وفاطمة.
وحتى في حال حرص المعلم أو مُصمم المنهج على إقحام المُحاورَين العربيين منذ البداية فليكن. لكن شريطة أن يكون 'بيتر' و'دجاين' منضمَّين منذ البداية إلى الحوار معهما، على أنهما لا يتقنان العربية، وذلك لتعليل حاجة عبد الله وفاطمة لاستعمال لغة غير لغتهما الأم في التخاطب، ولتفسير تنازلهما عن التخاطب بالأم . وإلاّ سيخامر ذهن المتعلم تساؤل لاواعي عن لماذا لا يقع إقحام 'بيتر' و'دجاين' في التحاور مع شابّين عربيَّين بلغتهما العربية. وستحصل الكارثة (مثلما هي حاصلة في واقع اليوم بالفعل): التنازل عن كل شيء لفائدة الآخر بداعي تأكيد التنازل اللغوي الذي سيُعدّ سابقة في سلّم التنازل الشامل.
فعندما يحشر المعلمُ (والكِتاب المدرسي) المتعلمَ العربي، كما رأينا، باسمه الحقيقي وبهويته الحقيقية، في مقام باثٍ للغة الأجنبية في حوار قصير مثل الذي اقترحتُه، و رغم قِصر وبساطة الحوار، فإنه يحشره مباشرة في نظام لغوي غير النظام المنتمي إليه المتعلم بالولادة أو الوراثة أو الثقافة. وهذا الحشر سيمنح المتعلم مشمولات جديدة لم يكن يملكها قبل قراره تعلّم اللغة الأجنبية. وفي طليعة هذه المشمولات، المُؤذية إلى أبعد الحدود، أذكر القابلية لدى التلميذ أو الطالب أن تكون اللغة الجديدة لغة تنتمي إلى ثقافته (بينما هي ليست كذلك)، ومنه قبوله لها من غير قيد ولا شرط. والنتيجة أن تصبح المسألة متعلقة باستبطان ثقافة اللغة الأجنبية (ومنه الاغتراب) أكثر منها بإتقان اللغة المعبرة عن تلك الثقافة والانتفاع بالآثار الطيبة للتثاقف. وهذا تحقيقٌ لا واعٍ للتنازل الثقافي، البوابة الرئيسة للتنازل الشامل.
وأقصد بالقيد والشرط وُجوب إدراك المتلقي للّغة الأجنبية أنها باقية على صفتها (الأجنبية) وأنها بالتالي ليست لغته الأم ولن تكون لغته الأم. و بتوفير هذا الشرط الأساسي يعطي المعلم للمتعلم فرصة ثمينة ليخدم مصالح عدة تشكل التصور العام لتعليم اللغات، من أهمها أذكر:
- مصلحته كمُستسيغ للغةٍ ليست لغته، ما سيحثه على مداعبتها بكل أريَحية وعلى تلقيها بكل جدية. فلم يعد متخوفا من أن يخسر لغته الأم، كما لو تمّ إرغامه، مثلما يتجلى في المثال، على تعلم اللغة الدخيلة على أنها ستكون مِلكا له وسيكون هو ملكا لها. لذا ستنبري ملكاته إلى أقصاها نتيجة لتخلصه من ذلك العائق الميطا- لغوي وسيكون قادرا على الإبداع نطقا وكتابة في كافة اللغات عموما، على عكس ما يحدث اليوم من فوضى غير مسبوقة في المدرسة العربية.
- مصلحة اللغة الأجنبية المتعلّمة؛ حيثُ إنّ الحفاظ على اللغة لغة، لا ترسانة ثقافية تكرّس الانبتات، يتطلب حسن الأداء في التكلم بها والكتابة بها بعد فهمها مسموعة ومكتوبة. والأداء الجيّد يصير ممكنا، كما رأينا، لمّا تنقشع سحب التهديد الهوياتي وذلك باجتناب الزج بالمتعلم في وضعيات متكلم اللغة الأجنبي الأصلي، مهما كان الداعي لذلك، إن داعي الواقعية أم داعي التماهي مع المستعمل الأصلي أم داعي الانبهار (العشوائي) أم غيرها.
إن الواقعية هي تلك التي تؤكد لدى المتعلم أنه بصدد تعلّم لغة أجنبية لا غير.
- مصلحة اللغة العربية؛ حيثُ إنّ امتعاض الشباب العربي اليوم منها لا يعود لا لضعفٍ مزعوم للغة العربية على مواكبة الحداثة وما إلى ذلك من الكلام، ولا لرداءة الطرق المتوخاة لتدريسها ولا لأية شماعة مماثلة. الحقيقة هو أنّ الضعف إن وُجد، و الرداءة إن وُجدت، وعزوف الشباب (ونفرٌ من الشيب كذلك) عن العربية، وهو واقع، إنما هي صفات تندرج في باب التداعيات الحاصلة جرّاء خروج القاطرة الرأسية (اللغوية) عن السكة وما تلاها من خروج القطار بأكمله (الثقافة، ومنه الفكر و السياسة).
أمّا الحل فيكمن في استرداد عاملٍ أساس، والمتمثل في وظيفة مزدوجة وبالتالي متكاملة: الاستقلالية اللغوية مع الشراكة بين اللغة الأم وسائر اللغات.
وللاستقلالية وجهان، واحد يخص الأجنبية، وهو الذي يبدأ في التبلوُر بإدراك المتعلم أنه يتعلم لغة أجنبية لا غير مثلما بينتُ، ووجه ثان يخص العربية وهو الذي سيتجسّد كنتيجة لبلوغ الأجنبية استقلاليتها في ذهن المتكلم.
من هذا المنطلق، لمّا صار الإنسان العربي المتكلم للغته الأم وللغات الأخرى محافظا على نوع من الخيط الفاصل بين الأم والأجنبيات، فإنه سيكون قادرا على فرز كل لغة على حِدة، في خضمّ ما يسميه الأنغلوساكسون "التعريض" للغة والفرَنسيون "الحمام اللغوي" مزدوج أو متعدد اللغات المتوفر لديه.
ولمّا يتناول الدارس المحلي العربية وهو دارٍ بأنها مستقلة عن سائر اللغات، ناهيك أن استقلاليتها تنبثق من الهوية التي تغذيها (الهوية العربية الإسلامية)، عندئذ ينشرح صدر متكلم العربية فيفتحه لها ليتعلق بها أكثر فأكثر وليطورها. وما يزيد غرامَ متكلم العربية بها غرامُه في الآن ذاته بلغات أجنبية تربى على التعايش معها كلغات مستقلة هي الأخرى، ناهيك أنها حبلى بالكثير من أسرار التطور وكذلك بعناصر وافدة ستطَعّم العربية ومنه الشخصية والهوية للفرد وللمجتمع العربي الإسلامي.
فالاستقلالية تكتسي إذن صبغة تبادلية، والحلقة البناءة تتواصل حيث إنّ التعلق المتجدد باللغة الأم وإضفاء نسق متطور باطّراد عليها سوف يعود بالنفع على الأداء في مجال اللغات الأجنبية. وهكذا دواليك. ولمّا يجتمع الغرام بالأم وبالأجنبيات من جهة والاستقلالية لدى كافة اللغات لدى المتعلم الواحد من جهة أخرى، في تلك الحلقة البناءة، فالشراكة بين الجهتين هي السبيل لدعم كافة اللغات مع ملازمة التمييز بينها لكن دون مَيزٍ غير ذلك المَيز الذي يحافظ على الأم أمّا والأجنبية أجنبية . وهذا مربط الفرس في ما يتعلق بما يسمى التعريب.
فالتعريب حسب هذا المنهاج هو الانتفاع بالإضافة التي ستجلبها اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية عن طريق متكلم واعٍ بأهمية كل واحدة مع محافظته على استقلالية كل واحدة. وهل من تخوّف من الغزو الثقافي أو ما شابهه لمّا يكون المستعمل العربي للّغات على تلك الدرجة من الوعي؟ طبعا لا.
بل قُل ما على المتكلم العربي إلا أن يبدع أنماطا من التبادل والتعاون بين العربية من جهة وسائر اللغات من جهة أخرى من شأنها أن تحتفظ للعربية بنصيب الأسد من النفع طالما أنها هي الشخصية وهي الهوية وهي الذات الأصلية، وطالما أن اللغات الأجنبية المتطورة صارت، بعد تصحيح الخطأ الأصلي المقترف في حقها وفي حق العربية، قابلة بأن تكون في خدمة هذه الأخيرة نظرا لكونها ما زالت في طور عطاء ثقافي وحضاري متميز ينبغي الاستفادة منه.
محمد الحمّار
مدخل لإصلاح التربية والتعليم
مدخل لإصلاح التربية والتعليم
تُعدّ تونس من البلدان العربية الأكثر حداثة. وبقدر ما كان هذا إيجابيا بقدر ما تسبب في العديد من المشاكل أهمها مشكلة مكانة الثنائي الجبّار، الدين واللغة، في المجتمع، ومشكلة التواصل بصفة أعمّ.
وفي تقديرنا يمكن تشخيص المشكلة العامة إجمالا بالقول إن الحداثة سبقت الفكر والفكر السياسي لأنّه من جهة لم يتم تجديد التناول الديني في التربية وفي المجتمع. كما أنّ الحداثة، من جهة أخرى، لم تكن لتتحول إلى نقمة لو لَم يتأزم العقل اللغوي للإنسان التونسي بالتوازي مع العقل الديني، ولو لَم تتأخر اللغة العربية عن المراتب التي كانت تحظى بها في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية.
وهذه المشكلة ذات البعدين، المترابطين في الأصل كما بينّا ذلك في عديد الدراسات، لها خصوصية خطيرة. إنها تُنتج لِوَحدها عشرات المشكلات الأخرى التي تحرم الذكاء التونسي، والعربي، من توليد الحداثة أولا ثم من التعبير عنها بأقصى إمكانياته وفي أسرع الأوقات. فالمشكلة تتوجب إذن تدخلا إصلاحيا سريعا في المجالات الموصولة، ومن باب أولى في مجال التربية والتعليم.
إنّ هذا القطاع حساسٌ إلى أبعد الحدود. ومكانته المركزية في أية خطة عامة للإصلاح تعود بالأساس إلى كونه يشترك مع قطاعات أخرى في تحديد الهوية الدينية والهوية اللغوية للمجتمع من جهة، وفي إطلاق العنان للشخصية لتشرع في الاضطلاع بنفسها .
في باب الدين، ونظرا لِما للعبادات وللفكر الديني من تأثير على المعاملات، وهي ممارسة الحداثة، المطلوب التشارك بين مختلف القطاعات الموصولة، لتصحيح النظرة إلى الدين. وعندما يتحَول الدين في ذهنية الناشئة من عامل تواكل واستسلام إلى عامل نهوض ورقي وسلام، حينئذ تتمكن المدرسة من أداء دورها على أفضل حال.
وبِما أنّ الفضاء المدرسي يتداخل فيه التعليم الديني مع التعليم الدنيوي، فالمنشود إنجازه تثوير المنهجيات وتثوير البرامج العامة والمناهج المُفَصلة. وما من شك في أنّ مثل هذا الإنجاز لا يتعلق بمادة التربية الدينية فحسب وإنما بكل المواد التي تبرز فيها حاجة طبيعية لتوليف العقل الديني الإنساني مع العقل العلمي.
كما أنّ التربية والتعليم قطاع تلعب فيه اللغة، إلى جانب الفكر الديني، دورا مركزيا. لذا يتوجب تركيز اهتمام مُعادلٍ على إصلاح تعليم اللغات. ويتمثل ذلك بالخصوص في تدعيم تعليم اللغات الأجنبية مع توصيفٍ مدقق للمنهجيات التي ينبغي إتباعها لتحقيق الارتياح والانفتاح: الأريحية في تقبل اللغة الأجنبية بلا مركبات؛ والانفتاح على العالم بأسره، مع التأصيل في الثقافة النسبية وإعادة ترويجها وضخها في الثقافة العالمية.
وبطبيعة الحال سيكون الإسهام في الثقافة العالمية بواسطة مختلف اللغات التي في حوزة المتعلم التونسي، والعربي، وعلى رأسها العربية. طالما أن تعليم اللغة العربية، سوف ينتفع، وبصفة طبيعية، من دعم اللغات الأجنبية. وذلك تبعا لخطط على غرار تلك التي أطلقناها :"التعريب العكسي"، وهو استخدام العقل اللغوي الذي تربَّى على صرامة اللغات الأجنبية لتحويل الذكاء من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.
وليست المدرسة فضاء يختلط فيه الديني واللغوي فقط ليخدمان المعرفي والعلمي بل إنّ الثنائي الجبّار يتحول أيضا إلى أداة لتصحيح التواصل، سواءً كان معرفيا أم فنيا أم علميا أم تربويا أم اجتماعيا.
محمد الحمّار
"التعريب العكسي": رؤية عربية مع الاستئناس بالأجنبية
"التعريب العكسي": رؤية عربية مع الاستئناس بالأجنبية
في هذه الظروف الانتقالية التي تعرفها البلاد التونسية مع ثلة من شقيقاتها العربية يتوجب إعادة النظر في مسائل عدة وعلى رأسها قضية الهوية عموما ومسألة التعريب على وجه الخصوص. وفي إطار ما أسميته "التعريب العكسي" (في نص منشور على الانترنت) أودّ أن أسلط الضوء على التمشي البيداغوجي العام المزمع إتباعه. علما وأنّ المنهاج الأصلي الذي تتسم به هذه المقاربة عموما هو إدراج تعليم اللغات الأجنبية كجسر يؤمّن النقلة السريعة للغة العربية من بَر الاعتقال والاحتباس التواصلي إلى بر التحرر. حيث إنّ ذلك يضمن تحديث لغة الضاد، ومن ورائها تسهيل مواكبة الفكر العربي للحداثة، بل تسهيل توليد الفكر لحداثة عربية تلحق بمجتمع المعرفة.
ربما هي حقيقة لا يختلف حولها اثنان: أضحى تعلّم الناطقين باللغة العربية اللغات الأجنبية وحذقها ضرورة حضارية أكثر من أي وقت مضى. والأسباب تتراوح بين نزعة التثاقف لدى الشعوب وبين هيمنة العولمة على العالم بأسره، مرورا بتلبية شروط الشراكة متعددة الأبعاد على الصعيد الدولي.
لكن ذلك لم يعُد يفي بالحاجة بخصوص التعريب وبخصوص إنشاء "حداثة لغوية" على غرار الحداثة السياسية التي حققها الشعب العربي في تونس وفي أقطار أخرى من خلال الثورة. لقد أضحى تعلم اللغات الأجنبية خيارا استراتيجيا يلبي حاجة اللغة العربية نفسها إلى الحيازة على استقلاليتها وإلى الشروع في مساندة عمليات توليد الحداثة. فهل اللغات الأجنبية أَولى من العربية بمثل هذه الوظيفة؟ كلا، بل إنّ خيار اللغة الأجنبية يبدو لنا اليوم حتميا باعتبار أنه المَخرج من أزمة لغوية طال أمدها. كما أنه خيارٌ ضامنٌ للنهوض بالتعليم ككل وبالثقافة عموما حتى يكونا قادرين على التعاطي مع الحداثة بكل انسجام.
نفترض بادئ ذي بدء أنّ إمكانية تلاؤم هذا الخيار مع متطلبات الشفاء من الداء اللغوي واردة. ثم نتساءل: ما نوع العراقيل التي تحُول دون ترقي اللغة العربية في سلم الحداثة؟ وما هي طبيعة هذه العراقيل التي أفرزت مثل هذا الخيار، وهو الذي قد يبدو غريبا للبعض؟
أن تصبح اللغة العربية حداثية يعني أن تصبح معبرة عن حداثة الناطقين بها. ومن أجل ذلك لا بد عليها أن تتطور في العقول وعلى الألسنة بناءا على تطور الفكر لديهم. إذ إنّ العقل واللسان هما أداتان محوريتان في عملية التفاعل مع الواقع ثم في الإسهام في تشكيل الحداثة، ومنه تبليغ معاني الواقع الجديد في الكلام واللغة. لكن هنالك عوائق جمة تنتصب اليوم ومنذ زمن بعيد (منذ الصدمة التحديثية على إثر دخول الاستعمار) أمام تحديث لغة الضاد.
ولعل أكبر عائق أمام العربية يبرز عندما نراقبها وهي تُدرّس. حينئذ سنلاحظ أن ليس هناك إنتاجا أدبيا حداثيا يتم اعتماده كأصل، مسموع ومقروء، بمثابة "نص الانطلاق"، في درس تعليم هذه اللغة. وإذا غابت المادة المصدرية غابت أولى الحلقات في سلسة الدرس. إذا غاب النموذج الناجح المزمع عرضه على المتعلم، انعدمت حظوظ تكرير النموذج من طرف المتعلم بعد أن يقتدي به هذا الأخير، وبالتالي انعدم توليد فكرٍ لغوي جديد. حيث إنّه من الأبجديات أن تُتَعلم اللغة انطلاقا من سند لغوي حيّ وموصول بالعقل وبالواقع معًا ليتمكن المتعلم من إعادة إنتاج الحيوية والتواصلية وعديد الوظائف المختلفة المُناطة بعُهدة اللغة.
فالذي يحصل الآن أنّ المتعلم العربي يَلقى نفسه وجها لوجه مع نصوص لا يمكن أن تقوم بوظيفة الانطلاق الصحيح للعملية التعليمية. إما أنّ النصوص من الأدب القديم؛ وهو أدب لا يمتُّ إلى الواقع الحاضر بصلة وبالتالي فالواقع الذي يصفه محكوم بأن يبقى نائيا عن عقول المتعلمين المعاصرين. وإما أنها نصوص من أدبيات معاصرة لكنها ليست حداثية بالمعنى الشامل للكلمة. إذن لا هذه ولا تلك تؤدي الدور الساند للتعلم الذي يشترطه تعلم اللغة "الحية". وفي كلتا الحالتين تتسع الهوة بين المتعلم المعاصر وبين لغة "المرمى" (العربية) التي يرغب المعلم في تسهيل اكتمالها، اسما ومسمًّى في أذهان المتعلمين.
هكذا يتضح أنّ العملية التعليمية في هذه المادة التأسيسية تدور في حلقة مفرغة. وهي صورة نرى فيها المتعلم كالبهلواني الذي لم يستطع الإقلاع من أرضية قاعة الرياضة (لأنّ الأرضية مبللة ومحفرة ومليئة بالتضاريس) كي يشرع في العمل. و في الأثناء زُجّ به من الأعلى، فرَضِيَ بمكان فضائي مؤقتا، مُوهمًا نفسه بأنه قد حاز بَعدُ على مكان لائق بعمله. لكن سرعان ما أكمل عرضه قفزًا ودورانًا ورقصًا في الفضاء حسب متطلبات المهنة، تراه يرجئ الهبوط على اليابسة حتى إشعار آخر. وهل يمكن أن يرسي على أرضيةٍ مَن لم تتوفر له أرضية للإقلاع؟
إذن ما من شك في أنّ غياب الأرضية الأدبية الحداثية، الساندة لعملية الانطلاق في التعلم، زادت قضية التعريب تعقيدا. فلم تعُد مسألةَ ارتقاءٍ بالإنتاج الرمزي العربي بجميع أصنافه بل تجاوزتها لتصبح مسألة تهيئة مادةٍ أولية حداثية يُبنى فوقها هذا الإنتاج. فغياب هذه الأرضية سببٌ في ظهور الحاجة للتعريب؛ وهو سبب في تحوّل الحاجة إلى قضية ("قضية التعريب") وربما إلى أزمة.
والأخطر من ذلك كله أنّ العامل الأول (أرضية أدبية حداثية) يُعدّ في نفس الوقت "أرضية للانطلاق" و"مرمى"، ممّا يفترض أن تكون تلبية الحاجة إلى التعريب ذات رأسين اثنين: واحد يُعنَى بإنشاء الأرضية وآخر يُعنَى بإعداد العربية السليمة ("المرمى"). مع ذلك فالأنصار الكلاسيكيون للتعريب لا يولون هذه المفارقة أي اعتبار، بينما هي مفارقة قاتلة وتستدعي تدخلا إنقاذيا استعجاليا. تراهم يُركزون كل اهتمامهم على إعداد عربية سليمة ("المرمى") من دون إنشاء الأرضية السليمة لها ("نص الانطلاق"). هكذا ندرك لماذا مطلبية التعريب، مع أنها مُلحة، تعطي الانطباع لدى الكثير من المثقفين الذين يرونها ملحة أنها غايةً صعبة المنال إن لم نقُل لا تُنال. وهذا يعيد إنتاج الإشكالية ولا يحلها.
ما العمل إذن؟ هل نعالج العلة القاتلة بالانتحار؟ وكيف يتمّ إنشاء الأرضية في إطار البديل الذي أسميناه "التعريب العكسي" ؟ وما هي طبيعة "نص الانطلاق" من هذا المنظور؟
أولا: لا مفرّ من التشديد على انتهاء صلوحية الدرس اللغوي الذي يتبنى الأدب العربي الكلاسيكي. وذلك بالرغم من اعتزازنا به اعتبارا لقيمته، إن أهليا ونسبيا أم عالميا وكونيا. فالاعتماد هكذا على "نص الانطلاق" من الصنف غير الحداثي يُعدّ بمثابة اعتماد المريض على الانتحار عوضا عن اجتثاث العلة القاتلة. وهل يجدر بنا أن نقبل معادلة الانتحار مقابل الموت لا سمح الله؟
على أية ليس تدريس الأدب الكلاسيكي بصفة قسرية للشباب، مثلما يحدث الآن، الطريق الأمثل إلى إحياءه. لا لشيء إلا لكون الشباب المتناول للجرعة تلو الأخرى من قصائد أبي نواس و بشار ابن برد وغيرهما من فطاحل الأدب العربي لا يتملك واقعَه. فكيف يراد من الشباب أن يستبطن روائع الكتابات القديمة بينما هو لا يستبطن مرتكزات واقعه؟ ونأيُ الشباب عن الواقع يبرز من خلال عدم تبليغه للواقع بواسطة اللسان العربي الفصيح.
لذا فمَن يغار على التراث الأصيل ويريد إحيائه بالفعل عليه بالشروع في تسهيل تملك الشباب للواقع. ومن ميزات تملك الواقع أنه يُوفر لدى المتعلم ملكات المد والجزر بين القديم (التراث الأدبي) والواقع، فتتوفر لدى المتعلم إمكانيات ضخ التراث في اللغة الحديثة. والتملك يحصل بواسطة أدوات معاصرة. واللغة الأجنبية أداة معاصرة لم ندرِ إلى الآن كيف نستغلها لفائدتنا. استغلها المجتمع لدعم الاغتراب والاستلاب للآخر، ولم يستغلها للاستقلال اللغوي، ومنه للاستقلال الوجودي.
ثانيا: لا بدّ من إنجاز عمل تصحيحي لدى أهل الذكر إزاء النقطة التي سبق أن شرحناه. ومفادها أن لو كانت هنالك أرضية لغوية سليمة صادرة من معين فكرٍ عربي متطور، لوَقَع اعتمادها في تكرير وفي إعادة إنتاج السليم من السليم، لَمَا كانت هنالك قضية اسمها "التعريب".
ثالثا: الحداثة اللغوية تستدعي تحديث العقل أولا، لا اللغة. وفي مرحلة موالية ستنجز اللغة العربية تحديثا ذاتيا، بصفة طبيعية، وذلك بمساعدة عامل التفاعل بين هذه اللغة وواقع الناطقين بها. فالتحديث اللغوي نتيجة ( للتحديث العقلي) وفي نفس الوقت عاملٌ ينعكس إيجابيا على العقل ليسهم في تيسير ودعم التحديث العقلي. وليس التحديث اللغوي مقدمة للتحديث العقلي. إذ إنّ فاقد الشيء لا يعطيه. إنّ العربية فاقدة للحداثة، لذا فليس هنالك مبررا لأن ينزعج "أهل الاختصاص" من ضحالة التحصيل لدى المتعلمين ومن خيبة المسعى. إنّ الخطأ ليس خطأهم. ولا هو خطأ المتعلمين، ولا هو خطا اللغة.
رابعا: إنّ الخطأ استراتيجي بالأساس. وبالتالي فاعتبار أنّ الخبراء في اللغة العربية وآدابها هُم المعنيون دون سواهم بالتعريب إنما هو الخطأ الاستراتيجي الأكبر. في الشروط التي شرحناها من المُرجّح أن يكون الخبراء في اللغة الحية الأجنبية وآدابها هُم أهل الاختصاص في عملية التعريب؛ "التعريب العكسي".
خامسا: في ضوء الغرض الجديد ( التحديث الفكري) وفي ضوء تعرفنا على أهل الاختصاص الجدد، نقترح إحداث مادة مدرسية جديدة تقوم مقام جسرٍ بين ما يَدرسه المتعلم بواسطة اللغة الأجنبية وما يدرسه في مادة اللغة العربية. ومن المناسب أن نتوخى منهجية التعليم المقارن فنسمي المادة "درس اللغة المقارن"، وذلك تبعا لمبادئ و إجراءات من أهمها نذكر:
أ. عرض مادة مكتوبة أو مسموعة ناطقة باللغة الأجنبية ("نص الانطلاق") على المتعلم العربي في حصة أولى من " درس اللغة المقارن"، بما يتطلب العرض اللغوي من تمارين مُتسقة. كما يُشترط أن يكون المضمون الثقافي لنص الانطلاق مضمونا أجنبيا بحتا يحيل المتلقي العربي على عادات وتقاليد وأخلاق وآداب ونمط عيش الناطقين باللغة الأجنبية التي كُتب بها النص أصلا، دون سواهم.
وفي الحصة الأولى، كما في الحصة الموالية، من هذا التمشي المقارن، لا تصحّ مطالبة المتلقي العربي بالتماهي مع شخصيات أو ملابسات النص الأجنبي بصفة غير صفته العربية الإسلامية. بل المطلوب في المقابل أن يحرص المعلم على استغلال جوانب النص التي تبرِز خصوصية الثقافة الأجنبية التي ينطوي عليها. أما اللغة التي يتوجب استخدامها في هاته الحصة الأولى لا يمكن أن تكون إلاّ لغة النص: الأجنبية.
ب. هذا من جانب. أمّا من الجانب الآخر فالمعلم مطالب أيضا، في هذه الحصة الأولى، باستدراج المتعلم شيئا فشيئا إلى الإحساس، إنْ بالتفرد عن الشخصية الأجنبية أم بالتماثل معها، كنتيجة للتلاقح العاطفي والعقلي عبر اللغة. ويتم هذا بفضل حث المتلقي العربي الدارس للنص الأجنبي على مساءلة مضمون النص و التفاعل معه ونقده واستقراء سنن الإنسان والطبيعة والحياة من خلاله. والأجدر أن يخول المعلم للمتلقي التعمق في ذلك إلى حدّ يشكل صورة جديدة عن نفسه وعن مواطنيه وعن أمته من خلال القيم والمبادئ التي تُوجت بها المساءلة والتفاعل مع النص. واللغة في هذه المرحلة الثانية من الحصة الأولى فينبغي أن تكون الأجنبية أيضا.
ج. بعدئذ يمكن التحول من الأجنبية إلى العربية. وإنجاز التمرين الذي نقترحه في هذه المرحلة يستلزم حصة موالية تُبرمَج على حدة. كما يُشترط أن يشرف على هذه الحصة الثانية معلم غير المعلم الذي أشرف على الحصة الأولى. ومن البديهي أن يكون قد تلقى تكوينا تخصصي بحسب شروط "التعريب العكسي".
أمّا الحصة ذاتها فيُشترط أن تُبرمَج على إثر الحصة الأولى، مع الحفاظ على بضعة أيام كفارق زمني بينها وبين الحصة السابقة. ويكون المتعلم المستفيد من الدرس مطالبا بـ"البث" بواسطة اللغة العربية دون سواها. وقد يكون ذلك في شكل شفوي أو كتابي أو في الاثنين، إن بالتناوب أم على التوالي. ويتطلب هذا النشاط طرح موضوع ذي علاقة موصولة بموضوع النص المدروس في الحصة الأولى، يكون الهدف الأساس منه شحذ إمكانيات التعبير، عن هوية وعن واقع المتعلم "الباث" معا، إلى أقصاها، واستغلالها أفضل ما يكون الاستغلال حتى يكون المتعلم قادرا على تبليغ ما يحتاج إلى تبليغه.
وينبغي أن يكون حرص المعلم كبيرا خلال هذا التمرين على توجيه المتعلم (المتكلم/ المحرر) نحو توليد خطاب عربي، يتراوح بين المعروف والمألوف من جهة، والنادر والطريف والجديد من الجهة الأخرى. هذه هي الحداثة اللغوية.
نختم بالقول إنّ الحداثة اللغوية، التي نأمل بلوغها بواسطة التمشي العكسي الذي وصفناه، صورة رمزية للحداثة الفكرية، سندِ الحداثة بالذات. وهي كذلك لأنها ضمان لاستعادة البُعد التواصلي على حساب البُعد الأداتي للغة عموما وللعربية بالخصوص. و هذه وضعية طبيعية تتحول فيها اللغة العربية من "فراري" محبوسة في مستودع السيارات التائهة إلى قاطرة للمعارف والعلوم فضلا عن تحولها إلى مرآة عاكسة للذات وللحياة.
محمد الحمّار
هل التعريب ممكن من دون العامية؟
هل التعريب ممكن من دون العامية؟
إذا اعتبرنا صحة نظريات اللغويات الفطرية للعلامة نعوم تشومسكي نفهم منها أنّ اللغة الأصلية هي التي يصنعها الطفل لما يشرع في التكلم بالتفاعل مع أمه وأبيه. ومن هنا نلاحظ أنّ الطفل عندنا لا ينطق "يا أمي" أو "يا أبي" وإنما ينطق بـ "ما" أو "ماما" و "با" او "بابا" أو "بَي" أو "بُويَ".ونفهم من ذلك أن ليس هنالك مناخا يهيأ الرضيع للنطق بمفردات فصحى.
هل يعني هذا أنّه ينبغي أن نتخلى عن العربية الفصحى؟ لا. وإنما يعني هذا أن أية سياسة للتعريب تريد أن تكون مباشرة وفعالة ومقصرة للمسافات تتطلب تحويل كلام الأبوين من العامية إلى الفصحى حتى يكون المولود معرضا للكلام بالفصحى الذي سيتبعه كنموذج. وهل هذا ممكن في مكان غير"مصحة العربية" أين تكون الأم النافس مطالبة بالإقامة لمدة لا تقل عن المدة اللازمة لتهيئة المناخ للرضيع قبل أن ينطق بكلام؟ كما يستوجب هذا الوضع إقامة الزوج في هاته المصحة المخبرية طوال المدة الموصوفة. عندئذ يبدأ التعريب الفعلي والمباشر ...
لكن هذا الطرح يبقى "طوبويا"حيث إنه يستحيل تقريبا إقبال أزواج متطوعين على القيام بمثل هذه التجربة بالكثافة اللازمة لبناء نواة أولى لمجتمع عربي فصيح. لذا ما نستخلصه من هاته "الطوبى" على الأقل لزوم إيلاء اللهجة العامية المكانة التي تستحق. ومكانتها، مثلما رأينا، أبينا أم كرهنا، مركزية في الوضع الحالي لواقع الأداء اللغوي عموما والوضع الحالي لتشكل الكلام عند الطفل بالأساس.
في الأثناء، ما يتسنى فعله اعتماد العقل اللغوي العامي في تنصيب نظام لتحويل المعاني والمفاهيم من العامية إلى الفصحى. نعني أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال النجاح في تكوين دلالة بالفصحى لمفهوم موجود بعدُ في ذهن المتكلم ومُعبّر عنه بعدُ بالعامية. يترتب عن هذه الاستحالة مرور التشكيل الدلالي لزوما بجسر العامية.
أمّا إذا تعلق الأمر بخلق مفهوم مستحدث فقد يكون المرور إلى الفصحى مباشرة يسيرا نسبيا. لكن هنا أيضا ستواجه المعرّبَ صعوبة كبرى. وتتمثل هذه الصعوبة في ماهية نقطة الارتكاز التي ينبغي اعتمادها لربط الواقع بالعقل بواسطة الفصحى، طالما أنّ الواقع ما يزال مُعبّر عنه بالعامية. يبقى ما أسميته "التعريب العكسي" بديلا للتعريب المباشر. ويتمثل التعريب العكسي في نقل المدلول (المنبثق عن الواقع) من اللغة الأجنبية (لأنها "فصيحة" مقارنة بعامية اللغة الشعبية في المجتمع العربي) إلى العربية الفصحى..
محمد الحمّار


