هذا الفصل الأول، لكن أين المشهد الأول؟
هذا الفصل الأول، لكن أين المشهد الأول؟
في نفس الوقت الذي أعلن فيه عن الاحتفاظ بالفصل الأول من الدستور والذي ينص على أنّ تونس "دولة مستقلة، الإسلام دينها والعربية لغتها"، يتم تنصيب ستة ولاة دفعة واحدة لتعويض ستة ولاة مباشرين. لست سياسيا لكي أعنى برداءة مثل هذا المشهد الأول المتمثل في التعيينات الاعتباطية، لكني أنتهز الفرصة، فرصة التزامن المذكور، لأحذر نظرائي الذين يريدون ممارسة المواطنة بلا تحزب، من مغبة انصياعهم لنص الفصل الأول من الدستور لمّا لا يتزامن مع مشهد أول يكون في مستوى تطلعاتهم.
ومن هذا المنظور بودي أن أشاهد أولياء الأمر منا، في المجلس التأسيسي وفي الحكومة، وهم في وضع تفعيلٍ للفصل الأول من الدستور، يمارسون حركة دءوبة لأخذ الإجراءات العملية اللازمة ووضع التدابير المتسقة مع مضمون وروح هذا الفصل المفتاح. ومن أهم المحاور التي نرغب في توفرها في المشهد الأول، كي يكون جيّدا، أذكر ما يلي:
- أ. تحديد مواصفات العرب" الذين يهمنا مباشرة التعايش معهم بروح جديدة منذ الآن. من الضروري أن يعلم المواطن الجديد في تونس الجديدة إلى أي حدّ من الممكن أن تمتد مواطنته وعروبته وإسلامه. على سبيل المثال، يرغب المواطن في معرفة أية ليبيا سيتعامل معها ومتى سيبدأ التعامل معها وعلى أية أسس، استراتيجيه كانت أم اقتصادية أم اجتماعية أم غيرها.
ب. تحديد التوجهات الكبرى لسياساتنا المستقبلية مع جيراننا المنتمين إلى الضفة الجنوبية للبحر المتوسط وكذلك هؤلاء المنتمين إلى جنوب الصحراء الكبرى، ومع التكتلات والبلدان الأخرى بحسب المصالح والخصائص المشتركة.
ج. القيام بجرد دقيق للأهداف والغايات الحضارية للإنسان التونسي
د. تنظيم الذكاء التونسي وتوجيهه نحو توليد الوسائل التحررية والتربوية والإيديولوجية (المستحدثة) والإستراتيجية الكفيلة بتحقيق الأهداف والغايات الحضارية.
أخيرا وليس آخرا لا يسع الإنسان التونسي الراغب في بناء سلوك "مواطني" معاصر إلا أن ينادي بضرورة فتح أكثر عدد ممكن من الملفات الضالعة في تشكيل مشهد أول للممارسة الدستورية يليق بثورة غير مركوب عليها.
محمد الحمّار
لنشكل تيارا تحرريا ضد الأحزاب والإيديولوجيا
لنشكل تيارا تحرّريا ضد الأحزاب والإيديولوجيا
الإسلام السياسي موش متاع يصبح حزب؛ العروبة حاجة في دمنا ما تستحقش تذكير؛ الاشتراكية ما تجيش بلاش إعادة تشكيل وعي عادل ومنصف؛ الشيوعية كذبة؛ الليبرالية ماعادش عندها معنى وقت اللي صارت مرادف للرأسمالية المتطرفة؛ الشعبوية صنعة اللي ما عندو صنعة؛ الديمقراطية وسيلة ماهيش دين... المطلوب نسف كل هذه المنظومات ثم إعادة تشكيل وعي وطني وعربإسلامي من جديد انطلاقا من الثوابت.
ثم من جهة أخرى لا يمكن أن تتصوروا الكارثة: قداش "زعماء" و"مناضلو" الأحزاب محتقنين فكريا بسبب الإيديولوجيا. سأذهب معكم ومع من يهمه الأمر إلى أبعد حد في تكسير وتفتيت الشر الايديولوجي. وقد طورت جهازا كاملا من أجل ذلك. لكنه يبقى كلاما إذا لم يحض بمتابعتكم. والمتابعة فعل. والفعل مشروع. ومشروعي معكم: بناء منظومة اجتهادية ونشرها في كامل البلاد. (للانضمام إلى المجموعة ابعث لي عنوان ايمايل).
محمد الحمّار
تحميل كتيّب "الطريقة البديعة لتطبيق الشريعة"
تحميل كتيّب "الطريقة البديعة لتطبيق الشريعة
"
إنّ مشكلتنا التي بسببها يتخاصم بعضنا مع بعض وبسببها يسود تلكؤ الحكومة وبسببها تتعارض المعارضة مع نفسها، والتي يختلف المشايخ حولها هي: لم يفهم غالبية المسلمين وغالبية العلمانيين أن المشكلة ليست الإسلام وإنما ماذا سيفعلون بالإسلام كعقيدة حاثة على الفعل، وكعبادات تصالح بين المرء وربه فتصالحه مع بيئته، وكمعاملات مصححة للسلوك. وهذا بحد ذاته يتطلب علما لا مناقشات واهية ومتجاذبة بين أطراف متشنجة. ومن لا يساهم في بناء هذا العلم فهو معرض ليكون صحية لمزيد من التغليط ولمزيد من الحيرة.
للإطلاع على التفاصيل تفضلوا بقراءة هذا الكتيّب (29 صفحة) . ولتحميله، اضغط على الرابط التالي:
al_tariqa_al_badia_a_li_tatbiq_al_charia_a
محمد الحمّار
إخواننا الإسلاميون، إخواننا اليوسفيون: حول شيطنة بورقيبة
إخواننا الإسلاميون، إخواننا اليوسفيون: حول شيطنة بورقيبة
لست بورقيبيا. لكن أرى أنه من واجبي أن ألفت انتباهكم إلى مايلي: لمّا يذكر بورقيبة تأملوا أولا في مَن يذكره ولماذا يذكره ومتى يذكره. ثم تذكروا أنكم نتاج لتاريخ تونس وأن تاريخ تونس المعاصر مطبوع مطبوع مطبوع بفكر وبسياسة بورقيبة أكثر مما هو مطبوع بغيره ولو كان غيره من خيرة ما عرفت البلاد. لذا أرى أنه من واجب كل تونسي أن يضطلع بتاريخه، بالجيد فيه وبالسيىء، لكي يبحث ويراجع ويصحح ويصلح. وتأثير بورقيبة على تونس والتونسيين من أخطر المواضيع التي تستدعي مثل هذه العناية.
أقول هذا لأني أشعر بقلق كبير، كمواطن غير متحزب أولا، ثم كمربٍ ثم كباحث، لمّا أسجل من بين مختلف ردود الفعل على كتاباتي التي أذكر فيها بورقيبة، انفعالا وارتباكا وحقدا وكرها لبورقيبة وغير ذلك من ردود الفعل غير الحكيمة، ولو كانت عدد هذه الردود ليس كبيرا.
أدعو أصدقائي وقرائي الذين قد يكرهون أو يحتقرون بورقيبة أن يُحكموا العقل بسبب أن بورقيبة لم يعد شخصية أو قيمة مادية. إنما هو يتجاوزني ويتجاوزهم ويتجاوز مشاعر الحب والكره، الحق والباطل، السمين والغث... هو تاريخ. لذا يتوجب دراسة الظاهرة البورقيبية كتاريخ نستلهم منه ما ينفعنا، أما البقية فزيد والزبد يذهب جُفاءً. وإلا هل يعقل أن يزيح الواحد أنفه من وجهه فيكون عرضة للحكم عليه بشيطنة نفسه؟
محمد الحمّار
التجديد الديني على النهج البورقيبي ضرورة تاريخية
التجديد الديني على النهج البورقيبي ضرورة تاريخية
لنتفق من الأول على أنّ التجديد الديني هو العودة إلى الإسلام المصدري في عظمته ووظيفته الحضارية لكن بأساليب ورؤى مستحدثة. ثم لو أسلمنا بأنّ من أخطر مواضيع الساعة "موضوع" ضبابية العلاقة بين الإنسان التونسي، والعربي المسلم، والدين الحنيف وبأنّ "النص" بمعنى العلاج المألوف إنما هو اللجوء إلى الفكر الديني المشايخي، سندرك أنّ مجرد التسليم بأنّ المشكلة ذات طابع ديني (الموضوع) لا يعني أنّ الحل لا بد أن يكون بالضرورة دينيا إرشاديا دعويا (النص). من هذا المنظور تكون نخبنا خارجة عن "الموضوع" لأنها لا تستطيع أن تخرج عن "النص". فما الحل؟
بالاستلهامٍ من آخر الأدبيات التي قرأتها (مقال ممتاز للأستاذ فاروق بن عمار بالفرنسية: "حكومة 1956 خلقت سلفيي 2012") ومن تعقيبي عليه، يتضح لي أنّ تونس اليوم، نخبا وشعبا، ملزمة تاريخيا بتكميل الفكر البورقيبي في مجال تجديد الفكر الديني الإنساني (علما وأني لست بورقيبيا). في هذا السياق فقط من الممكن أن نفهم كيف أنّ انحسار التعليم الزيتوني في عهده وبسبب سياسته ليس جريمة بحد ذاتها كما يذهب إليه الكثيرون. بل بالعكس، قد نكون اليوم، وبفضل الحرية التي اكتسبناها تبعا للثورة (المتواصلة) مهيئين أكثر من أي وقت مضى وأكثر من أي مجتمع عربي إسلامي آخر لرؤية المسألة الدينية من منظور جديد ومتجدد. ومن أهم المقدمات الممهدة لرؤية من هذا الصنف أن لا نتألم من جراء اندثار التعليم الزيتوني وأن لا نتحسر عليه وأن لا نسعى جاهدين إلى الانسياق إلى محاولات مثل إعادة الاعتبار للتعليم الزيتوني. لقد كانت "الزيتونة" واحدة من مفاخر التعليم والمعرفة في الماضي لكن ليكن ما هو آت أرقى وأجدى.
أمّا في ما يتعلق بالرؤية بالذات فيحق التشديد على أنّ بورقيبة، لمّا بدّل العقليات باتجاه تحرير المرأة و إيلاء التعليم مكانة مرموقة وشحذ الهمم إزاء تبجيل العمل وتقديسه والحرص على التنظيم العائلي بفضل تحديد النسل، وغيرها من السياسات الثورية، لم يكن يهدف كما يظن بعضهم إلى تدجين العامل الديني ولا إلى علمنة الضمير التونسي. كانت أعمال بورقيبة ترمي إلى عقلنة ما هو قابل للعقلنة لكنه لم يكن من الممكن عقلنته من قبل جراء التخلف والانحطاط ثم الاستعمار. أمّا الدين فكان من المفترض أن يعنى به أخصائيون آخرون، غير بورقيبة. لكن هذا لم يكن ممكنا نظرا للسبق الهام للفكر البورقيبي على فكر سائر النخب آنذاك بما فيها النخبة الدينية. لقد كان بورقيبة سابقا لعصره ولعصر المجددين في الفكر الديني الإنساني (التدين/التجربة الدينية).
بكلام آخر ربما حان الوقت اليوم لقطف الثمار من التجربة التعليمية ومن تجارب المجتمع الأخرى في عهد بورقيبة ثم في عهد خليفته المخلوع. ومن بين هذه الثمار "الخروج على النص" لا بمعنى "الخروج عن الموضوع"، وما يستبطنه من المرور بجانب الحاجيات الحقيقية للشعب مثلما هو سائد الآن، وإنما بمعنى تناول الموضوع مباشرة وفي الصميم وبمقاربة جديدة أي ثورية جديرة بثورة 14 جانفي/يناير. وإذا بحثنا عن عينات دالة على أنّ الساحة الفكرية والإعلامية تتخبط خبط عشواء سنحكم مثلا على دعوة مشايخ الدين للكلام في الإذاعة و للظهور في التلفزة بنيّة تبجيلهم على غيرهم من النخب بدعوى أن طبيعة "الموضوع" دينية بأنه خروج عن الموضوع. كما أنّ دعوة المشايخ بعضها بعضا للتحاور حول مسائل مثل تحكيم الشريعة الإسلامية (اجتماع قصر الرياضة "القبة" في يوم ذكرى الاستقلال، 20 مارس 2012) تُعتبر قمة في الخروج عن الموضوع. وتخصيص خطب الجمعة ومواضيع الدروس الإرشادية لمسألة تحكيم الشريعة إنما هو خروج ليس مثله خروج عن الموضوع. ذلك أنّ المسلم المتوازن، وهو افتراضي وغير متوفر الآن في السلوك الاجتماعي العام، من يرفض التنصيص على أن الشريعة أصلا للتشريع بينما هو يعيش تاريخيا في دولة إسلامية. وإلا فكيف صار مسلما وعاش مسلما إلى اليوم إن لم تكن قوانين مجتمعه متصلة بالشريعة من بعيد أو من قريب؟
إنّ موضوع الساعة هو احتقان العلاقة بين التونسي والدين وبالتالي بينه وبين الشريعة، من بين جوانب دينية أخرى. ومن أسباب طرح مسألة تحكيم الشريعة تخبّطُ الإنسان التونسي، والعربي المسلم عموما، في مشكلة وجودية شائكة. فليس مطلب إدراج الشريعة كأصل للتشريع حلا لمشكلة بقدر ما هو مؤشر على وجود مشكلة. وهذه الأخيرة من الصنف الوجودي. وهي نتيجة لعدم تملك "المواطن" التونسي للمهارات المتعددة والمختلفة التي من المفترض أن تكون مكتسبة لديه لكي لا يحس بالغربة في عقر داره: الإسلام من جهة واللغة من جهة ثانية، على الأخص. والمهارات المفقودة هي من مشمولات المعارف والعلوم للإنسان المسلم، لا من مشمولات إسلام/أسلمة هذا الإنسان من عدمه.
إن التونسي مسلم، ولا يقل إسلامه ولا يزيد لا على إسلام الاندونيسي ولا الإيراني ولا الموريتاني ولا السنغالي ولا السعودي ولا غيرهم. لكن ما ينبغي أن يميز التونسي عن غيره من المسلمين هو ما يميزه في نفس الوقت عن غيره من غير المسلمين: كيف يستخدم المعارف والعلوم لكي يكون وفيا لنفسه وداريا بحاجياته وتطلعاته الحقيقية ومتملكا للحلول لمشكلاته وللوسائل الكفيلة بتحقيق أحلامه. وهذا لعمري يستوجب مشايخ العلم الدنيوي، وهي صفة تتوفر في كل خبير مؤمن يُعنى بمجال من مجالات الحياة المعرفية والعلمية باختلاف اختصاصاتها.
لقد عشنا قبل بورقيبة في البُعد "الأول" الذي لم يكن ليعترف بعلمٍ أرقى وأفضل من العلم المتمثل في التحصيل الزيتوني. ثم حدث ما حدث من تجاذبات إيديولوجية وسياسية أفضت، كنتيجة للصراع بين البورقيبية واليوسفية (نسبة للمناضل صالح بن يوسف) على الأخص، وامتدادا لفكر خير الدين باشا، إلى غلبة البُعد "الثاني"، البُعد الحداثي الذي كان بورقيبة رمزه الأساسي إن لم نقل الوحيد (بمعية نفر قليل على غرار الشيخ النسوي الطاهر الحداد). فهل حان الآن وقت التأليف بين البُعدين؟ من المتأكد أنّ ذلك رهنٌ ببروز مشايخ البُعد "الثالث".
محمد الحمّار
!ندوات الفكر الإسلامي القاصر
مساكين الذين ينظمون ندوات عن"الفكر الإسلامي المعاصر": يظنون أن الفكر الإسلامي المعاصر متوفر عند السادة المشايخ وعلماء الدين وأساتذة الشريعة. إن بعض الظن إثم.
أصدقائي وصديقاتي: كونوا واثقين من أنفسكم. لا يشترط أن تكونوا ذوي دراية علمية بالدين الحنيف لكي تجتهدوا في الفكر الإسلامي المعاصر. إنّ أنساق الثقافة والفكر البالية هي التي تدفعكم دفعا إلى الارتباك والتشكيك في طاقاتكم الاجتهادية. بينما اختصاص كل واحد وواحدة منكم هو الذي يخول لكم التخصص بالاجتهاد السياسي؛ وهو اجتهاد إسلامي. معا سنكسر كل الحواجز التي تحول دوننا ودون الاجتهاد الحر.تلك ثورتنا و لا أحد بقادر على تعطيل عجلتنا.
الم تتفطنوا إلى أن مؤتمرات وندوات الفكر الإسلامي، لمّا تقتصر على تشريك هؤلاء الأخصائيين في الدين دون سواهم تتحول إلى مؤتمرات فكر قاصر طالما أنها تتم بإشراف رجال كنيسة ينتمون إلى دين ليست فيه كنيسة؟
محمد الحمّار
هل التجديد الديني ممكن دون مراعاة إضافة بورقيبة
هل التجديد الديني ممكن دون مراعاة إضافة بورقيبة؟
لست بورقيبيا لكني أقدر الرجل وأعتبره الأب الروحي للشعب. ولمّا استمعت إلى مقتطفات من كلامه في برنامج تلفزي في الأيام الأخيرة قلت في نفسي: كم نحن جاهلون أمام هذا الرجل العظيم وكم كثير منا ناكرون لقيمة هذا الرجل خوفا من أن يتهموا بالانتماء إلى فكره، وكم كان الرجل ضحية لغدر السياسة فهي التي صنعت له أعداءً.
عل فكرة، تأكدت أنه ليس من الممكن علميا أن نعود إلى الإسلام بالطرق القديمة. كما لا يمكن علميا أن نغض البصر عن الطرق العصرية مثل طرق البورقيبية و التي خلّفت بذورا مزروعة فينا وبالتالي فهي تنمو غصبا عن إرادتنا. لذا سنواصل تجديد الفكر الديني على النهج البورقيبي. فهي ضرورة تاريخية.
كما أنه ليس من الحكمة بمكان أن نعتبر الجرائم المقترفة في العهد البورقيبي حجة كي نتنكر لتاريخنا المعاصر المطبوع علميا وأخلاقيا بالبصمة البورقيبية. و لا يسعنا في هذا السياق إلا أن نسأل الله العلي القدير أن يرحم كل من مات بسبب خطأ إنساني في العهد البورقيبي وعلى رأسهم الزعيم صالح بن يوسف وأن يجعل عاقبة قضائه وقدره رُشدا: "ولولا دفعُ الله الناسَ بعضهم ببعضٍ لفسدت الأرض" صدق الله العظيم.
محمد الحمّار
ماذا لو نعيش كأنّ الأحزاب والسلطة غير موجودة؟
ماذا لو نعيش كأنّ الأحزاب والسلطة غير موجودة؟
في بلد مثل تونس تكونت الأحزاب قبل تشكل الوعي لدى المواطن بضرورة تفويض واجبه وحقه في التعبير عن حاجياته وشواغله إلى هيئة اسمها الحزب. بل نشأت الأحزاب قبل أن يعي المواطن ماهية حاجياته وشواغله. هذه إشكالية التمثيل الديمقراطي كما هي في الأصل وكما هي باقية على حالها من دون علاج إلى الآن. إذ إن الاحتقان الذي يعيشه مجتمعنا اليوم هو من تبعات هذه الأزمة. وهو احتقان يتسم بالخصوص برداءة العلاقة بين السلطة والأحزاب من جهة وبين المواطن والأحزاب من جهة ثانية وبين المواطن والسلطة من جهة ثالثة كنتيجة لذلك. فما الحل؟
في هذا السياق يكون السؤال: ألا يجدر بالمواطن أن يجرب، على الأقل في مستوى التصور والنظر، أن يعيش بلا أحزاب؟ هكذا يمكن القول إن هنالك أبعاد أساسية لا بد على المواطن أن يؤلفها لكي يتدارك ما فاته في باب الحوكمة الذاتية وعلاقتها بالحوكمة العمومية. ومن أهم هذه الأبعاد المفقودة نذكر ما يلي وذلك بالتناسب مع وضعيات من الواقع الراهن وبالتناسب مع الحل الملائم:
أولا، يعول المواطن كل التعويل على الأحزاب بعد أن كان يعول كل التعويل على السلطة الحاكمة في النظام الاستبدادي. ولا أرى فرقا بين هذا وذاك. لقد تحوّل مجتمعنا من حالة استبداد سلطوي إلى حالة استبداد حزبي. وينعكس الاستبداد في احتواء حزب النهضة حتى على حلفائه في الترويكا فضلا عن محاولة استحواذه على الرأي العام السياسي بأكمله، حلفاء وفرقاء. و عدم رضاء المعارضة وشرائح عديدة من الشعب عن أداء الترويكا المغشوشة دليل على ذلك.
ثانيا، لا يفعل المواطن شيئا للتعبير عن تصوراته للمستقبل. إنما هو في المقابل لاقٍ بنفسه في دوامة من الفوضى بعنوان تراكم المشكلات السياسية مثل التجاذبات الحاصلة في داخل المجلس التأسيسي وخارجه، وتفاقم المشكلات الاجتماعية مثل البطالة وغلو المعيشة. بينما المطلوب منه تجاوز الوصف الواقعي والارتقاء بفكره إلى حالة يكون فيها واصفا للواقع الذي ينبغي أن يكون والذي ينبغي أن يعوض الواقع الفاسد. في هذا السياق اللوم كل اللوم على المواطن لإساءته، بل ولجهله، التعامل مع أجهزة الإعلام المختلفة فضلا عن جهله بآليات التعامل مع الأحزاب ومع السلطة. والمعضلة أنه يتهم الإعلام بأنه فاسد بينما هو لا يضغط عليه كي يحوله إلى مرآة عاكسة له بأكثر قدر من الأمانة.
ثالثا، يفتقر المواطن إلى الحس الاتصالي وإلى الحس التعاوني وإلى الحس الالتزامي، وهي مهارات كفيلة بأن يطوّع المواطن بواسطتها الإعلامَ والأحزابَ والسلطة لإرادته، إرادة الشعب، محرك الجهاز الديمقراطي. فهو يرفض المبادرة بالفكر وبالمهارات الثلاثة بخصوص علاقته بذلك الثلاثي المؤسساتي (الإعلام والحزب والسلطة) ويكتفي بالمبادرة بالمحاكاة الغريزية مثل قيامه بأفعال تضامنية بين الفينة والأخرى إزاء الفئات المحرومة أو ضحايا الكوارث الطبيعية . وهو يفعل ذلك فقط لإرضاء نفسه وليعوض عن استقالته الفكرية والسياسية. بينما التضامن الاجتماعي لا يمكن أن يستدام حين لا يكون مستندا إلى التضامن السياسي: في ما بين المواطنين أنفسهم ثم بين المواطنين من جهة و الأحزاب من جهة أخرى وأخيرا بين الأحزاب من جهة والسلطة الحاكمة من جهة أخرى.
بالنهاية لا تنفع الخبرات السياسية والاقتصادية والعلمية والمعرفية وغيرها مما يتوفر في بلد مثل تونس لمّا لا يتمتع الفرد و المجتمع بآليات الاتصال والتعاون والالتزام التي من شأنها أن تحول الخبرات إلى أدوات لتفعيل الإرادة الفردية والجماعية في كل مجالات النشاط. والذي يمكن تصوره كحل عاجل هو التفكير بمنأى عن وجود أحزاب وحتى عن وجود سلطة حاكمة. إذ عودة الفرد إلى نفسه شرط لعودة المجتمع إلى نفسه وبالتالي شرط لبلوغ المواطنة. ثم ما المواطنة إن لم تكن نسخة معاصرة لمعنى الحديث الشريف "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"؟
محمد الحمّار
أزمة المواطنة، آثارها وطرق معالجتها
أزمة المواطنة، آثارها وطرق معالجتها
قناعتي راسخة بوجود مشكلة "احتباس تواصلي" في المجتمع التونسي (والعربي عموما). وهذا واحد من الأبعاد الرئيسية لأزمة المجتمع التي نعيشها الآن. لهذا السبب يتوجب التفكير في تأسيس فكر عملي تداولي يستند إلى مقاربة تواصلية ميدانية. ولكي نكون عمليين لنتمعن في الوضع الحالي في تونس من الزاوية التواصلية التي وصفناها بالمحتبسة.
يتأكد شيئا فشيئا للعيان أنّ التوجه الإيديولوجي السائد الآن في المجتمع هو ذلك المشكك في النفس بما يعني الهوية والمعتقد واللغة وإمكانيات التونسي مختلفة (حاثة تدنيس الراية الوطنية، مسألة تحكيم الشريعة كمصدر للتشريع من عدمه؛ حادثة تدنيس المصحف الشريف بالجنوب؛ حادثة رسم نجمة داود على واجهة جامع الفتح؛ تكفير عبد الفتاح مورو).
في خضم هذه الأحداث أعتقد أن "المواطن" أظهر ضعفا فادحا في التصدي لمثل تلك الاستفزازات.إذ لكي يكون مواطنا، لا بد أن يبقى شامخا ومتعاليا، بصفة إيجابية، إزاء محاولات المشككين دمجه في مثل مآزق منبثقة عن ضلوعه في مسائل مختلقة مثل تلك. الأجدى به أن يحافظ على موقفه المتعلق بالإصلاح وبالتقدم شوطا بعد شوط فيه وعدم التأثر بإيديولوجيا الإرباك.
من هذا المنطلق أؤكد على ضرورة اقتراب المواطن من الحاكم لكي يرتق البون الذي يفصلهما والذي بببه، من بين أسباب أخرى، نرى المجتمع كله ضعيفا أمام التهديدات والمؤامرات. فالمواطن ليس إدارة ولو أنه قد يكون إداريا. والمواطن ليس حزبا ولو أنه قد يكون ناشطا حزبيا. والمواطن ليس جمعية ولو كان منخرطا في جمعية. لكن هذا المواطن في وضع مُزرٍ الآن لا يعاونه على اكتساب صفة المواطنة. ذلك أنّ الذي يغلب عليه هي نزعة الاستلاب للإدارة وللحزب وللجمعية وللمؤسسة. والحال أن من المفروض، كي يصبح الواحد مواطنا، أنيكون هو صانع الإدارة و الحزب و الجمعية و المؤسسة و الحكومة والسلطة. لكن للأسف ترى التونسي اليوم لا يقوم بأي شيء في هذا الاتجاه.
ما العمل إذن؟ كيف يكون الإصلاح العام ومن أين يبدأ والحالة هذه؟ أعتقد أن تقريب المواطنين من بعضهم البعض وتقريب المواطنين من السلطة بكافة هياكلها هي من الأولويات في اللحظة الراهنة. فالتخلف المنهجي هو المتغلب على سائر أصناف التخلف من معرفي وعلمي. وهو تخلف تواصلي/سياسي فبالتحديد. في هذا الصدد يقع اللوم على الإعلام أولا بالذات وهو الذي لم يفتح منابره لكل الطاقات التي تزخر بها البلاد. ثم يقع اللوم على المثقفين الذين لم يولوا هذه المسألة الأهمية التي تستحق ولم يفكروا في المنهجيات الكفيلة بالضغط على الإعلام لكي يكون منارة تضيء الفكر المجتمعي بفضل أفكارهم . كما يقع اللوم على المدرسين الذين لا يفعلون شيئا يذكر لتجديد طرق التدريس بوسائلهم الخاصة ومن دون التعويل على المتفقدين أو على تعليمات وزارة الإشراف.و يحق أيضا لوم الأكاديميين الذين لم يستنبطوا طرقا عصرية لتنزيل أفكارهم إلى الواقع أين الشعب العريض وأين تصنع المواطنة.
إن المواطنة تتكون بفضل الإضافة الناتجة عن جهد الإعلامي و المعلم والأستاذ و المثقف و الباحث والأكاديمي. والمواطنة من هذا المنظور تعني تأسيس الذات قبل تأسيس الجمعية أو الخلية الإدارية أو القسم الجامعي أو الحزب السياسي أو الإذاعة أو القناة التلفزية أو الجريدة.
في هذا الإطار يمكن القول إن الشروط الملائمة للإصلاح، إن تربويا أو إعلاميا اتصاليا أو دينيا، ليست متوفرة في الوقت الراهن. فالغياب شبه الكلي لبيداغوجيا الثورة والإصلاح هو العائق الرئيسي أمام الإصلاح.
محمد الحمّار
الشريعة في الصدور لا في الدستور
الشريعة في الصدور لا في الدستور
أعطف حقا على المنادين بتحكيم الشريعة في الدستور لأن لو كان هؤلاء قد تحرروا بالفعل لما طلبوا مثل هذا الملاذ للانطواء فيه.
لقد كانت الشريعة الإسلامية مصدر التشريع عند المسلمين والشريعة المسيحية عند المسحيين. لكن الذي حدث هو أن العقل والقانون الوضعي عوضا القانون الإلاهي لدى المسيحييين بينما القانون الوضعي الديكتاتوري هو الذي عوض قانون الله عندنا. والآن وقد تحررنا من الحكم الدكتاتوري كي نتفرغ لصياغة قوانين إنسانية من عند مسلمين أحرار، أتعجب من رؤية سماع أصوات تنادي بإدراج الشريعة كمصدر أساسي أو وحيد للتشريع. وكأن هذه الأصوات تقول: روحوا إلى الجحيم أنتم وتحرركم يا مسلموالمظهر؛ نحن نمثل الدكتاتور الجديد إذ لا عيش لنا بلا دكتاتور؛ نحن نريد قوانين الاستبداد من جديد وراضون بأن تنسب للشريعة؛ نحن نحب السكينة. وذلك مصدر سكينتنا.
بينما الشريعة في الصدور لا في الدستور. وهي في الرأس لا في الكراس.
محمد الحمّار
اقتبست العنوان من عبارة لصديقي كريم الطرابلسي أثناء تبادل رسائل على فايسبوك.


