وجوب مساندة الاتحاد لأنه يطبق الشريعة
وجوب مساندة الاتحاد لأنه يطبق الشريعة
إنّ مساندة الاتحاد العام التونسي للشغل في هذا الظرف العصيب المتسم بالتجاذب الإيديولوجي أمر مفروغ منه وله مبرراته التاريخية والأخلاقية. و السبب أنّ هذه المنظمة العريقة، التي هي أقرب على قلوب المواطنين من أي حزب سياسي موجود على الساحة، لا لشيء إلا لكون دفاعها عن حقوق الشغالين إنما هو جملة من التطبيقات المتكررة والمتجددة للشريعة الإسلامية. فالشعب التونسي مسلم في غالبيته والطبقات الكادحة لم تكن لترضى بالاتحاد مناصرا لقضاياها عبر العقود الطويلة لو لم تتوسم فيه التجذر في المرجعية الإسلامية التاريخية، إن اجتماعيا أم ثقافيا أم سياسيا.
لكن من المفارقات الغريبة أن أحد الأحزاب الحاكمة يسعى إلى الاستحواذ على الرأي العام وإلى تأليبه على الاتحاد العام التونسي للشغل. ولم يجد وسيلة ملائمة لذلك إلا شيطنة الاتحاد، بينما الرصيد النضالي التاريخي الذي في جراب المنظمة العمالية لن يزيد الشغيلة، ومنه الرأي العام، إلا حرصا على الوقوف إلى جانب منظمتهم دفاعا عنها وعن مبادئ الإسلام التي يشتركون فيها معها.
ثم إن السبب في تشكل مثل هذه المفارقة هو الخلط المفاهيمي بين اليمين واليسار، إن في السياسة أم في الإسلام. فالإسلام دين يتسق جيدا مع يسار السياسة لكن الذي جرى عبر التاريخ أنّ اليمين افتكه واستأثر به ومارس بواسطته كل أنواع الاستبداد حتى من قبل أن يُخترع مفهوم اليمين واليسار.
ففي الدين كل ما هو يمين هو المحبوب لدى الله وكل ما هو يسار رديء ومكروه. بينما السياسة اليمينية واليسارية نشأت في فرنسا وأوروبا عموما بشكل مقلوب بالنظر إلى طبيعة الدين الإسلامي دون سواه. لقد نشأت ثنائية "يمين/يسار" باعتبار أنّ المسيحية، لا الإسلام، دين كنائسي ليس صالحا لكل مكان وزمان مثلما هو الشأن في الإسلام. وفضلا عن جهل غير المسلمين بالإسلام، هنالك جهل المسلمين أنفسهم، بالإسلام وبالفرق بينه وبين المسيحية وبأصول نشأة اليمين واليسار. وكان ذلك الجهل مكرسا لتبعية المسلمين للتفكير الغربي والاستشراقي، مما زاد الأمر تعقيدا بأن أصبحت التبعية نفسها مدعمة للخلط ومنتجة للتناقضات. وهذه التبعية هي التي قطعت الطريق أمام الوعي الإسلامي ليشكل وعيا يساريا مؤمنا. وكانت النتيجة أن بقي المسلمون متمسكين بعين الخطأ: كل سياسة مؤمنة إنما هي يمينية؛ وكل سياسة يسارية كافرة. بينما اليسار، إن السياسي أم النقابي، هو الذي يتسق مع مقاصد الإسلام.
بهذا المعنى يتضح أنّ يسارية الإسلام مجسمة في مساندة المحرومين والمستضعفين وملحة على الأثرياء بأن يتواضعوا ويفكروا في المسحوقين. من هنا نفهم أن الاتحاد العام التونسي للشغل قوة يسارية تسمح بتجسيم التحول المفاهيمي باتجاه استرداد المعنى المسلوب للإيمان كعضد لليسار وكمضاد لليمين في السياسة.
تبعا لكل ما سبق إنّ الاتحاد العام التونسي للشغل، بناءً على أنّ خصومه ينعتونه باليسارية مع شجبهم لها واتهامها بأنها ليست من الإسلام، وبناءً على مبدأ يسارية الإسلام أصلا، إنما هو من دون أدنى شك قوة يسارية تقدمية من الإسلام.
بالنهاية إنه لحريّ بكل مواطن رافض أن يكون سياسيا وأن ينزل إلى سفالة السياسة السياسوية المعمول بها في بلدنا، أن يكون حريصا على أن يبقى الاتحاد، وهو ملك للشغيلة، وملك للتونسيين كافة، ذلك السد المنيع و المدافع الصلب على الشغالين وعلى حقوقهم والمدعم لمطالبهم.
محمد الحمّار
!يا حمة الهمامي
يا حمة ما أرجلك فعلا وما أوضحك في تحليلاتك وتقييمك للوضع وتشخيصك للأمراض متاعنا. سمعتك اليوم على إذاعة "شمس اف ام" وزدت تيقنت من هذا. لكن عندك عيب كبير ياسر يفسدلك عملك وهو اللي خلاك ماكش مفهوم لدى عامة الشعب. ها العيب هو: على قدر ما تتجنب الكلام بالدين لأن الناس تستعمل فيه شعوذة ومطية لتخدير الشعب على قدر ما ما فيبالكش اللي ما يفهمكش الشعب العريض في تونس لوكان ما تخليهش يشعر اللي تقول فيه من آراء ومقترحات إنما هو نابع من العقل الإسلامي.
ما عندكش خيار يا حمة. وقلتهالك مباشرة في أول أيام الثورة في باردو. لكن، كيفك كيف كل السياسيين في تونس: ما تسمعوش الآخر.ها نا نتفرجو فيكم.
محمد الحمّار
رسالة إلى الشيخ عبد الفتاح مورو
رسالة إلى الشيخ عبد الفتاح مورو
نحن في مجتمع لا تعترف صحافته بالفكر بينما تقدس السياسة إلى حد العته وإلى حد فقدان الفكر لكل مقوماته لديها ولدى الشعب. وأنت رجل فكر وسياسة تستأثر بعناية وانتباه الملايين، فبالله عليك لا تنزلق في متاهة العمل السياسي خشية أن يفتقد الشعب فكرك.
محمد الحمّار
دستورنا والشريعة
لماذا المطالبة بإدراج الشريعة الإسلامية في الدستور كأصل للتشريع بينما لا يتوفر في المجتمع العدد الكافي من
الاجتهادات لتستجيب لكل صغيرة وكبيرة في حياة هذا المجتمع؟ لكن في المقابل هل ينبغي الانتظار حتى يكون العقل المجتمعي قادرا على إنتاج المجتهدين والاجتهادات بالأعداد الكافية لكي ندرج الشريعة في الدستور كأصل للتشريع؟ كلا، لا ينبغي لا الانتظار لا الإدراج. والسبب أن ليس الإدراج هو الذي سيولد الاجتهاد بل مصالحة المجتمع مع العلم والمعرفة في مناخ من الحرية المطلقة هو الكفيل بتحقيق ذلك. لذا فالأصح أن نقول إذا توفرَ الاجتهاد سوف لن تكون حاجة حتى للتفكير في الإدراج. وتبعا لذلك فإنّ المناداة بالإدراج في غياب الاجتهاد هي بصريح العبارة مناداة للاستبداد بعنوان الشريعة.
محمد الحمّار
دستور تونس أم دستور النهضة؟
بشوية يا جماعة: اليوم مشيت لبلدة هادئة في الوطن القبلي. دخلت المسجد. تعرفو آش شفت؟ شفت عريضة موضوعة على ذمة المصلين بش يصححو فيها. آش يقل نصها؟ يقول "نطلب من المجلس التأسيسي أن يدرج في الدستور التونسي عبارة أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأول للتشريع".
اللي قلقني موش شريعة رب العالمين لكن شريعة اللي يجمعو في الأصوات من داخل المساجد وهذا اسمه "تسييس المساجد".
الافتراض: هل بعد أن تم تسييس المساجد في الانتخابات سيواصلون تسيييها لغرض التأثير على المجلس التأسيسي؟
المشكلة: في هاته الحالة هل سييمى الدستور "دستور تونس" أم "دستور النهضة"؟
محمد الحمّار
دعوة لختان الإناث أم لختان العقول؟
دعوة لختان الإناث أم لختان العقول؟
لما رآني تاجر الحي مارًّا بجانب دكانه استوقفني بكل شغف ليعبر لي عن تهليله بقدوم الداعية وجدي غنيم إلى تونس وليمجد الرجل ويحمد الله أن أتيحت لنا الفرصة في هذا البلد لاستقبال الدعاة من أمثال غنيم وعمرو خالد. تركتُ الزوبعة تمر وتوجهت إليه قائلا:
" أقولها بصراحة لكن بشيء من التحفظ، كل ما أعرف عن الشخص عبر منشورات التونسيين على فايسبوك أنه "خاتن الإناث". لكني اصطفافي إلى جانب الجماعة الرافضة له لا يعود إلى صحة ذلك النعت من عدمه. كما أنّ حرية استقبال دعاة كانوا لا يدخلون تونس بسبب التوجه العلماني المتطرف للنظام السابق شيء، والاستماع إلى هؤلاء ثم الاستمتاع بخطابهم أو ادعاء الانتفاع بهذا الخطاب شيء ثانٍ.
أولا، هؤلاء الدعاة ليسوا غرباء عن التونسيين حيث إن خطابهم معروف من خلال الفضائيات. إذن فقد أثروا على الرأي العام في تونس بطريقة أو بأخرى ويعتبرون طرفا هاما في تكوين الرأي العام الإسلامي، السياسي وغير السياسي، عندنا. ثانيا، هل يعجبك هذا الرأي العام الذي يتفرج في حكامه وهم يصولون ويجولون في أرجاء أوروبا وأمريكا ويُطرون على الغرب ويعدونه بالتمادي في زرع أنساقه وأفكاره وسياساته وأنماط عيشه في المجتمع العربي المسلم؟ هل يروق لك أن أصبح فينا من يحتمي بحلف الأطلسي احتماءه بأخيه وبابن عمه لضرب أشقائنا في ليبيا (ونفس المحاولة في طور الإنجاز في سورية)، ناهيك ما حدث في العراق في مناسبتين وفي أفغانستان من قبله، وناهيك التلاعب بقضية الشعب الفلسطيني؟ هل حصدنا من خطاب الدعاة غير التبعية للآخر والتقليد الأعمى له مع تمجيد السلف وعبادة الأشخاص؟"
"أخي الكريم، أسألك هل تجوز دعوة المسلم للإسلام، وهل يجوز تعليم الطائر كيف يطير والسمكة كيف تسبح وحتى الببغاء كيف يقلد الأصوات، و هل يجوز غرس فطرة "ثانية" لا قدر الله في نفس جُبلت على الفطرة لكنها لم تكن قادرة على رعايتها والحفاظ عليها خالية من كل الشوائب؟ فطالما أنّ الإسلام "فطرة الله التي فطر الناس عليها" (صدق الله العظيم) و"يولد المولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يُمجسانه" (حديث نبوي)، لماذا إذن البحث عن المصالحة مع الذات ومع العالم في مجالات ابتعدت عن الفطرة بُعد السماء عن الأرض، بما فيها المجال الديني؟ وما دين الفطرة إن لم تصلح الدعوة له لتصحيح رؤى المسلمين لواقعهم ولمستقبلهم حتى لا يلجأ السياسيون منهم إلى استعمال الدين مطية للتعويض عن ذلك بمواقف فلكلورية؟
ما من شك في أنّ المجتمع العربي المسلم قد جمّد العمل بالدين كفطرة (كـ"مادة شعورية" بتعبير الفيلسوف اللبناني جوزف أبو رزق)، وهو رافدٌ تواصلي بامتياز، وأقصى بذلك الدين عن كل مجالات الحياة بالرغم من أنها كلها معنية بالتواصل، لكي يصبح الدين مسألة تابعة للعقل (مادة اصطلاحية بتعبير أبو رزق) لا تلبي حاجيات العقل. معنى هذا أنّ الدين لم يعُد عامل توحيد ووحدة واتحاد بين البشر كافة مثلما أراده لنا الله وإنما أضحى طرفا في معادلة عقلية لكنها نفعية يشترى به الشر أكثر مما يُحقق به الخير.

فيبدو أنّ الذي يريده المسلم، وحتى غير المسلم اليوم، لا هي السمكة ولا هي طريقة صيد السمكة (كما يقول المثل الصيني الشهير)، وإنما أن يتجاوز حالته كسمكة أرغِمت على العيش خارج الماء وها أنها على شفا حفرة من الموت. ويكون المطلوب حينئذ للنجدة تأهيلا ذاتيا كي يصبح قادرا على توفير شروط العيش حسب إمكانياته الفطرية، المدعمة بوسيلة العلم والمعرفة، في محيط مادي ومعنوي وروحي هو مجبول على العيش فيه.
أخي في الدين ونظيري في الإنسانية، تاجر الحي، أقول لك بالنهاية إنّ من يدعو المسلمين لغير هذا فهو خاتن عقول، وكم بودي أن أصدق أنّ كل داعية، سواءً دعا لختان الإناث أم لم يدعُ، ليس خاتن عقول."
محمد الحمّار
التوانسة وحزب "أمك تنقو" م.ح
التوانسة وحزب "أمك تنقو" م.ح
وقتللي لَنصِيت فكرة "اليسار المؤمن" شهر لتالي تقريبا أقبل عليها الناس الفاهمين أن الوضع الفكري والسياسي في تونس فقير ياسر. لكن "الكنتور" متاع صفحة "اليسار المؤمن" وقف عندو أسبوع في رقم 185 تقريبا. السؤال اللي تبادر لذهني: آش صار في هالأسبوع الماضي من أحداث سياسية بش ياقف تجاوب الناس مع الفكرة؟
أظن أن الجواب عندي توة: التوانسة اللي قبل شهر كانوا حايرين حول حقيقة الفقر الفكري وعجبهم فكرة جديدة كيف ما "اليسار المؤمن"، لكم مازالو ما أعربوش على تعاطغهم معاها، دوب ما سمعوا بأحزاب وسطية قررت بش تنصهر في حزب كبير تعدات السحابة اللي كانت تغشي المشهد العام وحضروا رواحهم بش يتفاعلو مع الانضهارات الجديدة.
تعليقي ورأيي:
التونسي اللي يفكر كيف ما هكة غالط على طول الخط. فهو بذلك يعطي الدليل اللي هو نفعي ويعتقد أن انصهار أحزاب في حزب كبير بش تحلو مشكلتو.ناس أن الأحزاب تعاني من مشكلة فكرية موش من مشكلة حجم الحزب.
بينما يصح الصحيح وتشوفو: انصها أو لا انصهار باقي الوسخ في الدار.
هذا ما يمنعش هذا. لا الانصهار يمنع فكر حر اسمه "اليسار المؤمن" أو غيرو، لا اليسار المؤمن يعوض الأحزاب أو الانصهار.
لكن حذاري، كيما بلاش أحزاب ما ثماش ديمقراطية، زادة بلاش تيارات فكرية مستقلة الأحزاب كيفها كي بلاش.
م.ح
المؤامرة على تونس والعروبة بواسطة الإسلام
المؤامرة على تونس والعروبة بواسطة الإسلام
يا توانسة لعبولكم لعبة ما يفيق بيها كان اللي راضي على روحو: أمريكا تعرف اللي الإسلام عندو قوة متاع تعبئة ما ثماش كيفها. لذا راهنت على النهضة على أساس أنو تيار إسلامي.
ثم إن الدهاء متاع مُنظري الغرب أنهم يلعبو أيضا على قوة الاستبداد اللي في مقدور المسلمين يتحولو لها باسم الإسلام (لكن حاشى الإسلام). وهوني يكون مراهنتهم على النهضة ذو اتجاه واحد: مراهنة على استبداد التونسي بالتونسي والعربي بالعربي والمسلم بالمسلم.
خزيت عليهم حاشاكم. ما يعرفوش ها المُنظرين اللي هوما غالطين في الإسلام واللي هو موش متاع استبداد إنما متاع تحرر من الاستبداد.
هاذاكة علاش مجتمع تونس ماهوش راكح للنهضة وما هوش مطمئن لها: في قرارة نفسو يعرف اللي الإسلام موش كيف ما يظنوه المستبدين. لكن مازال ما يعرفش يعبر عن المسألة هاذي. لوكان يوصل يشد منها 10 في المائة فقط نتحررو من كل العوائق اللي حطونا فيها.
محمد الحمّار
!حذار من الجمعيات الأجنبية ومن القمع الذاتي للثورة
!حذار من الجمعيات الأجنبية ومن القمع الذاتي للثورة
لا أرى حرجا في أن أكون عضوا في جمعية أجنبية أو أن أتعامل مع أجانب في جمعية تونسية. لكني أمانع أن تقود الجمعية رأيي كمواطن تونسي عربي ومسلم.
هنالك جمعيات ممولة من الخارج. والتعامل معها ليس بالهيّن لأنها بكل بساطة تحدد لك من حيث تشعر أو لا تشعر أجندة تخدم مصالح بلدانها الممولة.
سواءً كان التمويل الجمعياتي فرنسي أو بريطاني أو أمريكي فالمواطن التونسي، على الأخص من بين الشباب، عرضة
للاحتواء الإيديولوجي أو للتوجيه البرغماتي الذي يخدم مصالح الغير ولا ينفع الوطن والأمة.
قد يغض الشاب الطرف عن هذا الجانب الوصائي معتقدا أنه سيعمل حسب ما تمليه عليه إرادته ومصلحة بلاده، لكن هيهات، تلك جمعيات تأتيك من حيثُ تتمنى أنت. هنالك جمعيات أجنبيه في تونس تنظم حوارات ومناظرات تترك للشباب حرية اختيارها حسب ما يتماشى وإرادتهم. نأخذ كمثال على ذلك مواضيع متعلقة بالهوية وبمكانة الدين في تونس وغيرها. تلك الجمعيات لا تتوانى عن قبول طرح الموضوع في فضائها، إلا أنّ السؤال المطروح في هاته الحالة: ما دخل فرنسا أو بريطانيا أو أمريكا في طرح موضوع للنقاش حول هوية تونس؟
ليس هنالك جواب سوى أن الأطراق الأجنبية المشرفة تبحث عن فائدة تحصل من مثل هذا الطرح لتوظيفها لفائدة البلد الممول أو المحتضن للفعالية الثقافية.
لنا في تونس الاستطاعة اللغوية العالمية حيث فينا من يحذق لغات تلك البلدان الأجنبية التي لا ترى حرجا في انتصابها وصية على ضمائرنا وعقولنا. وفي وسعنا أن نعمل بواسطة تلك اللغات من أجل توطيد التواصل مع الناطقين بها. لكن لن نفرط شبرا واحدا في حقنا في تقرير مصيرنا كما نتصوره نحن ونشتهيه نحن وباللغة التي نختارها نحن. نحن الذين نقوم بثورة لا شعوب تلك البلدان. فإن شاءوا فليتبعونا.
محمد الحمّار
الإسلام محاصَر من طرف الخاسر و القاصر
الإسلام محاصَر من طرف الخاسر و القاصر
الإسلام محاصر داخليا من طرف فئتين: بعض أطياف الإسلام السياسي التي اخترقها الاستشراق والاستعراب، ومن جهة أخرى هؤلاء الذين يواجهون الإسلاميين بغير بديل فكري يلغي سبب وجودهم كظاهرة زائلة. والإسلام محاصر خارجيا، بسبب حصاره داخليا، وهذه المرة من طرف قوى الهيمنة العالمية والاستقواء الفاعلة في داخل العالم العربي بالذات.
نتيجة لذلك يوجَد العرب، الرعاة التاريخيون للإسلام وأوّل من أنيطت بعُهدتهم مهمة الاستخلاف في الأرض، في وضع سيئ للغاية. ومن أسوأ ما يعاني منه حراس الدين الحنيف كضريبة لعدم قيامهم بمهامهم تجاه الإنسانية أنّ مجالهم الثقافي أضحى مغتصبا، ومنذ مدة، من طرف ترسانة التبشير النصراني السياسي.
لقد شاهدتُ قبل أسابيع فيديو على فايسبوك يصفُ، بكل ما تحمله الصورة من دقة، ما ينجزه المستعمر الأمريكي من تبشير في داخل المجتمع العراقي المسلم. وكدتُ لا أصدق ما شاهدتُ لولا المراجعة الفكرية التي قمت بها في ما بعد. حيث كان من أخطر ما تذكرتُه الحضورَ الملفت للانتباه للجالية الأمريكية في تونس اليوم. وهي جالية تتقن اللغة العربية، والعامية التونسية بالذات، كما لا يتقنهما مواطن أصيل بلد عربي شقيق. ولست حاكما على النوايا حتى أجزم بما هُم فاعلون في تونس بالضبط، إلا أني أتوجس أنّ حضورهم مشبوه، سيما وأنه قد سبق أن مرَرنا في تونس بتجربة "استضافة" ما كان يسمى بـ"فيلق السلم". وهي مؤسسة أمريكية كانت توفد، منذ الستينات مُدَرسين للغة الانقليزية، يباشرون بالثانويات التونسية مع الاستئناس بالغرض الاستخباراتي.
إنّ الذي يؤلم أي عربي غيور ليس الحضور الأجنبي في بلده، أو حضور المسيحية كعقيدة في المجتمع، بقدر ما هو تخلي المجتمع عموما عن وظائفه الروحية والأخلاقية حتى تسنى للتنصير أن يتحَول إلى تبشير بإيديولوجيا الحرب والدمار لدى المبشر. والغريب أنّ هذا الاستسلام العربي يتم باسم الإسلام وباسم الوطنية وباسم حقوق الإنسان. فكيف يقبل عاقلٌ، مثلا، أن يُغلق بلد عربي سفارة بلد عربي آخر على أرضه، مهما كان السبب، بينما لا تنبس سلطة هذا البلد ببنت شفة إزاء السلطة الأمريكية التي دمّرت بلدا بحاله مثل العراق و لوّثت ثقافته وهاهي تبدل هويته الدينية في محاولة لِمحقه، ومَحق من يشاركه في الثقافة والدين.
إننا في تونس نتخاصم ونتناظر ونُجابه بعضنا البعض حول ما إذا كان من الممكن أن ندرج جملة في الدستور المزمع كتابته تُجرّم التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو حتى مجرّد تلميح إلى خطورته، بينما جُلنا يجهل أنّ دستور الدولة المهيمنة الأولى، راعية إسرائيل، والتي يهابها ويخشاها الذين يرفضون إقحام ملاحظة وقائية كتلك، مبنيّ على الدين وعلى الأخلاق وعلى التوسع من أجل إعلاء كلمة الرب، اقتداء بوصايا التورات، لتكون أمريكا "المدينة التي على الهضبة و التي من الممكن أن تنشر مبادئها في الأرض كافة" (دجون وينثروب- ايبيدام ص 165-166).
كفانا نفاقا اضطراريا إزاء أنفسنا وأخلاقنا ومبادئنا، ولنشرع في الاضطلاع بمَن نحن في جوهرنا. ولنعترف أنّنا حزانى بمجرد إدراك أننا منتمون إلى أمة "اقرأ" ومع هذا عاجزون عن قراءة ما هو في داخل أنفسنا. ولنعمل على أن نعالج هذا العجز كي نشرع في تصور السياسة الكبرى، التي ستكون شريعتنا، وفي رَسم أهدافها وإعداد الوسائل لها. سنكون حينئذ سعداء بإدراج عبارةٍ في الدستور تذكّر أنّ تونس "مدينة على الهضبة، مُحَلقة بدافع نشر مبادئ ثورتها في الأرض كافة".
محمد الحمّار





