| |
 |
| الشباب العربي يبحث في لغته الأم عما يلامس هواجسه وتطلعاته |
|
|
أغتنم فرصة السجال القائم في الجزائر حول مقترح وزيرة التربية في هذا البلد نورية بن غبريط والقاضي بتعليم الصغار بواسطة اللهجة العامية في السنوات الأولى من المدرسة، لأبدي رأيي في هذه المسألة وذلك بناء على أنّ تونس لها تقريبا نفس الخصوصيات اللغوية التي تُعرف بها الجزائر.
ويبدو أنّ مشكلة لغة التدريس في المغرب العربي ليست بالبساطة التي يتصورها البعض ولا ينبغي تركها عرضة للمزايدات الأيديولوجية، وبالتالي فإن أي قرار بشأنها لا بد أن يكون مدعوما بالعلم من جهة وبتطلعات الشعب من جهة ثانية. ولئن لا أحد بقادر على أن يشكك في عروبة كل من الجزائر وتونس وفي أحقيتهما في تطوير اللغة العربية، شكلا ومضمونا، من حيث الكفاءة كما من حيث الأداء، إلا أن الجانب العلمي الألسني للقضية يبقى مغيّبا، لدى عامة الناس وحتى لدى العديد من النخب.
في السياق الشعبي أولا، أنطلق من معاينةِ خطأ جسيم، حتى بعض النخب واقعة فيه، يشكل حسب اعتقادي عقدةً تنخر عقل الإنسان العربي بما فيه الجزائري والتونسي، ألا وهو اعتبار أنّ اللهجة العامية ليست عربية. فماذا تكون إذن إن هي ليست عربية؟ أهيَ تشيكية أم ألمانية أم روسية أم برتغالية أم عبرية أم ماذا؟
في ضوء هذا الوهم الدارج يتبين أنّ غالبية الناس ممن يحترمون اللغة العربية يتعاملون مع اللهجة العامية بشيء من سوء الظن، بشأنها وبشأن إمكانياتها. وعلى العكس من ذلك فالذين لا تروق لهم العربية تراهم يكتفون بالعامية بل يؠ
حقائق ممنوعة من النشر
حقائق ممنوعة من النشر
في بلد أكثر من نصف سكانه من الشباب، في بلد أصبح تلاميذ المدارس الابتدائية فيه يرتقون إلى السنة الموالية بصفة آلية بقرار من وزير التربية، واليافعون مرابطين في المقاهي وقاعات الشاي ليشربوا ليلا نهارا من كأس الكرة العالمية بينما غول الإرهاب يضرب بين الفينة والأخرى، في بلد لا يزال الشباب فيه غير ممثلٍ فكريا في الجمعيات والأحزاب السياسية بالرغم من حرية تعبيرٍ مزعومة، والصحف الورقية فيه متوقفة عن نشر الرأي (منذ ما يناهز العامين)، والقنوات التلفزيونية تبث برامج (رمضانية ! ) تحثّ على القمار وبالتالي على التخلي عن البحث عن عمل شريف، في بلد مثل هذا لا بد أن يكون هنالك عوامل حكمت على النشء بمثل هذا الخضوع لِحزمةٍ من الإرادات بدلاً عن الامتثال لمتطلبات العلم والمعرفة. في بلد مثل هذا أضحى الاحتقان الفكري والإعلامي ميزته الأولى، والإرهاب ظلهُ وإقصاء الأجيال الناشئة كلمة السر فيه، حريٌّ أن نكشف النقاب عن العوامل الهدامة التي تختفي وراء الاحتقان والتي تقهر الشباب وتحول دونه وكسب الاستطاعة على التغيير الشامل.
م.حمّار
الفرقة الناجية
الفرقة الناجية
عوضا عن انتظار مَن منهما الذي سينقذ البلاد، اليمين الرأسمالي والمتكون من أحزاب النهضة والنداء وآفاق تونس والوطني الحر، أم اليسار الذي لم ينضج بما يكفي لاجتذاب الأنصار إلحيه، نحن البقية ممن ربما يشكلون الأغلبية، مطالبون بالتوحد في تيار لا هو اليمين الحاكم ولا هو اليسار الأعرج تارة والمنبتّ طورا، المنطوي تارة أخرى والمتغرب طورا. ويكون توحدنا فكريا وثقافيا قبل أن يكون سياسيا، بل يكون منهلا للسياسيين حتى يكلفوا أنفسهم عناء الرجوع إليه ابتغاء التعرف على ما يريده الشعب ثم قرار العمل على تلبية حاجيات المجموعة وأفرادها.
لكن هذا التمشي ليس بالسهل حيث إنه يتطلب ثقافة. ومن بين شروطه ما يلي: واحد، ينبغي تمَلك القدرة على تجاوز الفكر والواقع اللذين تريد السلطة – في طورها الحالي الذي لا يعكس ثقافة التجاوز- أن تفرضهما علينا بوصفها نتاجا للمحافظة بكل أشكالها. وينبغي أيضا في ذات الحين محاولة التفاعل الجدي مع اليسار من أجل ترويضه وتعديله حتى يصبح مستجيبا لمطالبنا التي تنبثق عن خصوصياتنا المجتمعية والثقافية كعرب ومسلمين متشبعين بصفات المغاربة و المتوسطيين والإفريقيين والأوروبيين.
اثنان، لن تأتي هذه القدرة من العدم. وهي ليست فطرية وإنما مكتسبة. تأتي بفضل تفعيل الإيمان الديني والتفكير في ضبط الوظيفة المعاصرة للدين كعامل تقدم، فعقل المسلمين في دينهم على عكس أهل الغرب، الذين نحاكيهم في عقلانيتهم بينما هم دينهم في عقولهم، وبالتالي من يأخذ عنهم عقلهم – على صفته تلك- فقد أخذ دينهم. وهذا ليس حكما بالكفر أو بالأيمان ولكنه انضباط تستوجبه استقامة الشخصية.
ثلاثة، لزوم تصحيح الفكر والتفكير باتجاه تطوير ملكة التجاوز. أما وجه تطويرها الذي نحن بحاجة إليه فهو ذاك الذي يقحم الإرادة الذاتية، الفردية والجماعية، في صلب الموضوعية السياسية. فمجتمعنا اليوم يمتلك ثقافة فكرية/حركية/اجتماعية سلبية جدا، لا تتوخى الموضوعية إلا لتبجّل الغالب وتدين له بالولاء وتنأى بنفسها عن التعبير عن حاجياتها والذود عنها، تُجاري القويّ ولا تعرف كيف تقاومه، تسكت عن الظالم ولا تملك الطريقة التي تمكنها من تحجيم فعله وتجميد فعاليته.
أربعة، وتلكم العلل الأساسية المكونة للثقافة السالبة تبرز في كلامنا قبل ظهورها في أفعالنا. نقول "وا أسفاه، أريتَ ماذا فعلت السلطة الحاكمة بنا؟" ولا نقدر على القول "هذا ما سأفعله لنيل حقي فترضَى عني السلطة كشريك في امتلاكها وفي الذود عنها"؛ نقول " كثر الفساد واستشرى" ولا نستطيع الجزم بأن "سأرفض كذا في حال تم فرضه علي". نعطي المعلومة الصحيحة عن الفاسد والكاذب والسفيه والسارق والمختلس والمتلاعب والناهب والمحتكر والمُزايد، لكننا لا "ندرج هذه المعلومة ضمن ما يسميه ادغار موران "نظاما للمعرفة".
والحال أنّ الله تعالى سبق العلوم كلها لينبّهنا من مغبة تحريف الكلم واللعب بالألفاظ والازدراء بما ننطق به، كما جاء في الآية الكريمة: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قليلاً)(النساء: 46).
محمد الحمّار
|